روسيا تجلي خبراءها من بوشهر: مستقبل النووي الإيراني على المحك

في تطور لافت يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، أعلنت روسيا عن إجلاء خبرائها وموظفيها من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران. يأتي هذا القرار الحاسم في أعقاب تقارير عن أضرار جسيمة لحقت بمنشآت نووية إيرانية أخرى، وتحديداً بالقرب من مدخل منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، وهو ما أكدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد تزامن هذا الإعلان مع انقطاع كامل للاتصالات بين شركة “روس آتوم” الروسية والمسؤولين عن القطاع النووي الإيراني، وفقاً لما صرح به المدير العام للشركة، أليكسي ليخاتشوف.
وأوضح ليخاتشوف أنه أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بضرورة الحصول على دعم سياسي لبدء عملية إجلاء الخبراء الروس من محطة بوشهر، مشيراً إلى أن العمل في موقع بناء المحطة قد توقف بالكامل. وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وتحديداً بعد ما وُصف بـ “غارات جوية إسرائيلية أمريكية” استهدفت منشآت إيرانية، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة إيران على مواصلة أنشطتها النووية.
تُعد محطة بوشهر النووية، الواقعة على الساحل الجنوبي لإيران، رمزاً للتعاون النووي المدني بين إيران وروسيا، وواحدة من أبرز المنشآت في البرنامج النووي الإيراني. بدأت فكرة بناء المحطة في سبعينيات القرن الماضي بمساعدة ألمانية، لكن المشروع توقف بسبب الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية. استأنفت روسيا العمل في المحطة في التسعينيات، وأصبحت بوشهر أول محطة طاقة نووية عاملة في إيران عام 2011، بقدرة إنتاجية تبلغ 1000 ميجاوات. لطالما أكدت إيران أن برنامجها النووي سلمي ويهدف لتوليد الكهرباء وتطبيقات طبية وصناعية، بينما تشكك قوى غربية وإقليمية في هذه النوايا، خشية استخدامه لتطوير أسلحة نووية.
أما منشأة نطنز، فهي قلب برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم، وتقع تحت الأرض لزيادة حمايتها. شهدت هذه المنشأة عدة حوادث غامضة وعمليات تخريب على مر السنين، كان أبرزها هجوم فيروس ستوكسنت عام 2010، وتفجيرات أخرى نُسبت لإسرائيل، مما يعكس الصراع الخفي والمستمر حول قدرات إيران النووية. هذه المنشآت، بما فيها بوشهر ونطنز، تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تسعى لضمان عدم تحويل المواد النووية لأغراض عسكرية.
إن إجلاء الخبراء الروس من بوشهر وتوقف العمل فيها يمثلان ضربة قوية للبرنامج النووي الإيراني، ليس فقط من الناحية الفنية والتشغيلية، بل أيضاً من الناحية السياسية والدبلوماسية. على الصعيد المحلي، قد يؤثر هذا التوقف على قدرة إيران على تلبية احتياجاتها من الطاقة، ويُعد انتكاسة لمشروع وطني طالما روجت له الحكومة الإيرانية كرمز للاستقلال التكنولوجي. كما أنه يثير تساؤلات حول أمن وسلامة المنشآت النووية الإيرانية في ظل التهديدات المستمرة.
إقليمياً، يزيد هذا التطور من حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط. فإسرائيل ودول الخليج العربي تنظر بقلق بالغ إلى أي تقدم في البرنامج النووي الإيراني، وتعتبره تهديداً مباشراً لأمنها. أي تعطيل للبرنامج النووي الإيراني، سواء كان نتيجة هجمات أو ضغوط دولية، يمكن أن يُنظر إليه على أنه نجاح لهذه الدول، ولكنه في الوقت نفسه قد يدفع إيران إلى ردود فعل غير متوقعة، مما يزيد من خطر التصعيد العسكري في المنطقة.
دولياً، يعقد هذا الوضع الجهود الرامية لإحياء الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA)، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018. فمع تضرر المنشآت النووية وتوقف التعاون الروسي، يصبح مسار الدبلوماسية أكثر تعقيداً. روسيا، كشريك رئيسي لإيران في المجال النووي وعضو دائم في مجلس الأمن، تلعب دوراً حيوياً في المفاوضات. إجلاؤها لخبرائها قد يشير إلى مستوى جديد من القلق أو الضغط الدولي، وقد يؤثر على موقفها التفاوضي أو على قدرتها على دعم إيران في المحافل الدولية. كما أن هذا التطور يعزز المخاوف العالمية بشأن انتشار الأسلحة النووية ويضع تحديات جديدة أمام نظام عدم الانتشار النووي.
الكميات المذكورة من الوقود النووي (70 طناً من الوقود و210 أطنان من الوقود النووي المستهلك) في منشأة بوشهر، والتي أشار إليها ليخاتشوف، تبرز الأهمية البالغة لسلامة هذه المنشآت. أي ضرر يلحق بها لا يهدد فقط البرنامج النووي الإيراني، بل يثير أيضاً مخاوف بيئية وصحية واسعة النطاق في المنطقة بأسرها. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الأحداث ستدفع إيران نحو مزيد من التصعيد أو نحو إعادة تقييم استراتيجيتها النووية في مواجهة الضغوط المتزايدة.




