أخبار العالم

انسحاب جنوب أفريقيا من بعثة الكونغو: نهاية حقبة وبداية دور جديد

أعلنت حكومة جنوب أفريقيا رسمياً عن نيتها سحب قواتها المشاركة ضمن بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (مونوسكو)، لتطوي بذلك صفحة من المشاركة العسكرية دامت قرابة 27 عاماً في واحدة من أطول وأعقد عمليات حفظ السلام في العالم. ويأتي هذا القرار في وقت حاسم تشهد فيه منطقة البحيرات الكبرى تحولات جيوسياسية متسارعة.

وفي بيان صادر عن مكتب الرئيس سيريل رامابوسا، تم التأكيد على أن القرار أُبلغ به الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش. وعزا البيان هذه الخطوة إلى “الحاجة لإعادة تنظيم موارد القوات المسلحة لجنوب أفريقيا”، في إشارة إلى تحول في أولويات بريتوريا الدفاعية والاستراتيجية على الصعيدين القاري والمحلي.

سياق تاريخي: دور جنوب أفريقيا في استقرار الكونغو

بدأت مشاركة جنوب أفريقيا في جهود حفظ السلام بالكونغو الديمقراطية في أواخر التسعينيات، في أعقاب حرب الكونغو الثانية التي وُصفت بـ “حرب أفريقيا العالمية” لمشاركة العديد من الدول فيها. تأسست بعثة الأمم المتحدة (مونوسكو)، وسابقتها (مونيوك)، بهدف حماية المدنيين، ودعم نزع سلاح الجماعات المسلحة، والمساعدة في استعادة سلطة الدولة في المناطق الشرقية المضطربة والغنية بالموارد الطبيعية. على مر السنين، كانت جنوب أفريقيا من أكبر المساهمين بقواتها التي تجاوز عددها 700 جندي، ولعبت دوراً محورياً، لا سيما في تشكيل “لواء التدخل” (FIB) عام 2013، وهو قوة هجومية فريدة من نوعها ضمن بعثة حفظ سلام أممية، كُلفت بمهمة تحييد الجماعات المسلحة التي تهدد أمن المنطقة.

الأهمية والتأثيرات المتوقعة للانسحاب

يأتي انسحاب جنوب أفريقيا كجزء من خطة خروج تدريجي لبعثة “مونوسكو” بأكملها، بناءً على طلب من حكومة الكونغو الديمقراطية التي تسعى لتولي المسؤولية الأمنية الكاملة. ومع ذلك، يثير هذا الانسحاب تساؤلات حول الفراغ الأمني المحتمل الذي قد ينشأ في شرق الكونغو، خاصة مع تصاعد هجمات جماعات مسلحة مثل حركة “M23”.

على المستوى المحلي: يضع هذا القرار ضغطاً هائلاً على الجيش الكونغولي (FARDC) لملء الفراغ الذي ستتركه القوات الدولية. وتخشى المنظمات الإنسانية من أن يؤدي أي تدهور أمني إلى تفاقم الأزمة الإنسانية التي يعاني منها ملايين النازحين.

على المستوى الإقليمي والدولي: لا يعني هذا الانسحاب نهاية الدور العسكري لجنوب أفريقيا في المنطقة. بل يتزامن مع نشر بريتوريا لقوات جديدة ضمن بعثة مجموعة التنمية للجنوب الأفريقي (SADC) في الكونغو (SAMIDRC)، والتي تهدف بشكل مباشر إلى محاربة المتمردين. يعكس هذا التحول توجهاً أفريقياً متزايداً نحو “حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية”، والاعتماد على التكتلات الإقليمية بدلاً من البعثات الأممية. ويمثل هذا القرار نقطة تحول في استراتيجية جنوب أفريقيا الخارجية، مؤكدةً على دورها كقوة إقليمية فاعلة ومستعدة للتدخل المباشر لحماية مصالحها وتحقيق الاستقرار في القارة.

زر الذهاب إلى الأعلى