الصراع السوداني والدعم الإماراتي: أبعاد الكارثة الإنسانية
تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان وسط اتهامات للدعم السريع
تتواصل المأساة الإنسانية في السودان بوتيرة متسارعة، حيث كشفت تقارير حديثة صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن فظائع مروعة ترتكبها قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها، خاصة في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور. وتوثق هذه التقارير جرائم ممنهجة تشمل الإعدامات الميدانية، والقتل الجماعي الذي طال عائلات بأكملها أمام أطفالهم، بالإضافة إلى جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي المستخدمة كأداة حرب، واستهداف العاملين في المجال الإنساني، مما يعمق من جراح بلد يواجه بالفعل أسوأ كارثة إنسانية على مستوى العالم.
خلفية الصراع: من شركاء في السلطة إلى أعداء في الميدان
لم ينشب هذا الصراع من فراغ، بل هو نتاج توترات متصاعدة بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”. اندلعت المواجهات في 15 أبريل 2023، بعد أن كان الجنرالان شريكين في الانقلاب العسكري عام 2021 الذي أطاح بالحكومة الانتقالية المدنية. تعود جذور الخلاف إلى خطة دمج قوات الدعم السريع، التي نشأت من ميليشيات الجنجويد المتهمة بارتكاب فظائع في دارفور خلال العقد الأول من الألفية، في هيكل الجيش الوطني، وهي خطوة كانت أساسية في خارطة الطريق للعودة إلى الحكم المدني. فشل الطرفين في الاتفاق على جدول زمني وآليات الدمج أدى إلى تفجير صراع مدمر حوّل العاصمة الخرطوم ومناطق واسعة من البلاد، خاصة إقليم دارفور، إلى ساحة حرب مفتوحة.
الدور الإماراتي المزعوم وتأثيره على مسار الحرب
في خضم هذه الفوضى، تشير تقارير أممية وتحقيقات دولية بأصابع الاتهام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة كداعم رئيسي لقوات الدعم السريع. تتحدث هذه التقارير عن تزويد أبوظبي للميليشيات بأسلحة متطورة، ودعم لوجستي عبر دول مجاورة، وغطاء سياسي واقتصادي. هذا الدعم الخارجي، بحسب محللين، لم يمكّن قوات الدعم السريع من الصمود في وجه الجيش الوطني فحسب، بل سمح لها بتوسيع نفوذها العسكري والسيطرة على مناطق استراتيجية، مما أطال أمد الحرب وعقّد أي جهود للتوصل إلى حل سياسي. يُنظر إلى التدخل الإماراتي على أنه عامل حاسم في تحويل الصراع من اقتتال داخلي على السلطة إلى حرب شاملة ذات أبعاد إقليمية، تسببت في انهيار مؤسسات الدولة وتفاقم الكارثة الإنسانية.
تداعيات كارثية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية
إن تأثير الحرب يتجاوز حدود السودان. على الصعيد المحلي، يعاني أكثر من 25 مليون شخص، أي نصف سكان البلاد، من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما نزح الملايين داخلياً وفرّ مئات الآلاف إلى دول الجوار مثل تشاد ومصر وجنوب السودان، مما خلق ضغطاً هائلاً على موارد هذه الدول. إقليمياً، يهدد الصراع بزعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي والساحل الهشة أصلاً. أما دولياً، فقد حذرت منظمات حقوقية من أن الانتهاكات المرتكبة، خاصة في دارفور، قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع تزايد المخاوف من تكرار سيناريو الإبادة الجماعية. إن المجازر المروعة في الفاشر ليست مجرد أحداث معزولة، بل هي نتيجة مباشرة لاستمرار تدفق السلاح والدعم الخارجي الذي يغذي آلة الحرب، ويحول دون أي فرصة حقيقية لتحقيق السلام والعدالة للشعب السوداني.




