إذاعة طامي: قصة أول إذاعة خاصة في تاريخ السعودية
مقدمة: صوت من الرياض هز الأثير
في زمن كانت فيه الأصوات الإعلامية حكراً على الإذاعات الحكومية الرسمية، بزغ من قلب العاصمة السعودية الرياض صوت فريد ومبادرة سبقت عصرها. نتحدث عن “إذاعة طامي”، أول مشروع إعلامي خاص متكامل في المملكة، والذي لم يكن مجرد محطة إذاعية، بل كان بمثابة حجر الزاوية وبذرة الإذاعة السعودية الحديثة. أسسها عبدالله بن سليمان العويد، الشهير بـ”طامي”، بعقلية المخترع وشغف المكتشف، لتصبح قصته علامة فارقة في تاريخ الإعلام السعودي.
السياق التاريخي: الإعلام في منتصف القرن العشرين
في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان المشهد الإعلامي في المملكة العربية السعودية والمنطقة العربية يعتمد بشكل شبه كلي على الإذاعات الحكومية. كانت الإذاعة هي الوسيلة الأقوى والأوسع انتشاراً للوصول إلى الجماهير، حاملةً الخطاب الرسمي والأخبار الموجهة. في هذا السياق، كانت فكرة إنشاء إذاعة خاصة ومستقلة تبث من منزل شخصي أمراً ثورياً وجريئاً، يعكس رؤية استشرافية لحاجة المجتمع إلى صوت يعبر عنه ويلامس حياته اليومية بشكل مباشر.
من هو طامي العويد؟ قصة عصامي جمع بين العلم والمقاومة
وُلد عبدالله بن سليمان العويد، الذي اشتهر بلقب “طامي”، في مدينة بريدة بمنطقة القصيم عام 1341هـ. نشأ نشأة تقليدية، حيث ختم القرآن الكريم في سن العاشرة وتلقى تعليمه في الكتاتيب. لكن طموحه دفعه للسفر إلى الأردن والشام، وهناك لم يكتفِ بالترحال، بل شارك مع الجيوش العربية في مقاومة الجيش الفرنسي. هذه التجربة صقلت شخصيته وأتاحت له فرصة نادرة لتعلم العلوم السلكية واللاسلكية والإلكترونيات، وهو المجال الذي أتقنه وأبدع فيه. لم تكن عبقريته تقنية فحسب، بل كانت إنسانية أيضاً؛ فبعد عودته إلى المملكة، ابتكر كرسياً متحركاً مجهزاً بالصوت والهاتف والراديو، وقدمه هدية للملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، الذي أُعجب بابتكاره وكافأه بألفي ريال فرنسي، وكانت هذه المكافأة بمثابة الدعم الأول لمشاريعه المستقبلية.
ولادة إذاعة طامي: من غرفة منزل إلى كل بيت
انطلاقاً من شغفه بالهندسة الإذاعية ورؤيته للفجوة الإعلامية في الرياض، قرر طامي تأسيس إذاعته الخاصة. وبعد أن حصل على الموافقة الملكية التي جاءت معها حماية وتشجيع بمبلغ 10 آلاف ريال، انطلق البث رسمياً بين عامي 1380هـ و 1383هـ. ولإضفاء الصبغة الرسمية والمجتمعية، افتُتح الإرسال بكلمة وعظ وإرشاد للشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-، مما منح الإذاعة قبولاً واسعاً لدى المواطنين. كان مقر الإذاعة غرفة متواضعة في منزله، وكان طامي هو “الجيش الإعلامي” الكامل: فهو المعد، والمخرج، والمذيع الوحيد الذي كان يفتتح نشراته بعبارته الشهيرة “يقرؤها لكم أنا”.
تأثير إعلامي واجتماعي غير مسبوق
لم تكن “إذاعة طامي” مجرد بث ترفيهي، بل لعبت أدواراً حيوية في المجتمع. كانت تبث برامج متنوعة تلبي اهتمامات الناس، من برنامج “ما يطلبه المستمعون” الذي كان يعتمد على المراسلات الورقية، إلى الإعلانات التجارية وإعلانات المفقودات. كما كان لها دور تعليمي بارز، حيث كانت أول من يعلن أسماء الناجحين في المدارس، ودور رياضي تاريخي بنقلها أول مباراة بين ناديي الهلال والوحدة في كأس الملك. وامتد تأثيرها ليكون اجتماعياً وإنسانياً، حيث أطلقت حملات لجمع التبرعات، مثل حملة دعم فقراء فلسطين. وقد تجاوز بثها حدود المملكة ليصل إلى دول عربية مجاورة، مما جعل الملك عبدالعزيز يعبر عن فخره بالمشروع قائلاً مقولته الشهيرة: “هذا اللي إحنا ندور عليه، شغل من أبناء الوطن”.
إرث باقٍ
توقف بث الإذاعة بعد سنوات قليلة، لكن إرثها لم يتوقف. توفي عبدالله العويد “طامي” في عام 1421هـ (2000م)، تاركاً خلفه قصة ملهمة عن رجل سبق زمانه، وأثبت أن الشغف والإبداع يمكن أن يصنعا إعلاماً مؤثراً من أبسط الإمكانيات، ليظل اسمه محفوراً في ذاكرة الإعلام السعودي كرائد حقيقي وضع اللبنة الأولى للإعلام الخاص في المملكة.




