بريطانيا تهدد بوقف تأشيرات دول تطالب بتعويضات الرقيق

أثار حزب الإصلاح البريطاني جدلاً واسعاً بتصريحاته الأخيرة التي هدد فيها بوقف إصدار التأشيرات لمواطني أي دولة تستمر في المطالبة بتعويضات من المملكة المتحدة عن دورها التاريخي في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. واعتبر الحزب، الذي يسعى لتعزيز موقفه في المشهد السياسي البريطاني، هذه المطالبات “انتهازية” و”محاولة لابتزاز الخزانة البريطانية”.
جاء هذا التهديد على لسان ضياء يوسف، المتحدث باسم الحزب للشؤون الداخلية، في تصريحات نشرتها وسائل إعلام بريطانية اليوم. وأكد يوسف أن حزب الإصلاح سيطبق سياسة “إغلاق باب التعويضات” فور فوزه في الانتخابات العامة المقبلة. وأضاف بلهجة حاسمة: “البنك مغلق والأبواب مقفلة”، مشيراً إلى أن الحكومتين السابقتين، المحافظين والعمال، أصدرتا ما يقرب من 3.8 مليون تأشيرة خلال العقدين الماضيين لمواطني الدول التي تطالب بالتعويضات، بالإضافة إلى تقديم 6.6 مليون جنيه إسترليني كمساعدات خارجية لهذه الدول، مما يعكس، بحسب الحزب، سخاءً غير مبرر في ظل هذه المطالبات.
السياق التاريخي لمطالبات التعويضات
تعود جذور هذه المطالبات إلى قرون من تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، التي كانت المملكة المتحدة أحد أبرز اللاعبين فيها. فمنذ القرن السادس عشر وحتى إلغاء العبودية في الإمبراطورية البريطانية عام 1833، نقلت السفن البريطانية ملايين الأفارقة قسراً إلى الأمريكتين ومنطقة الكاريبي، حيث تعرضوا لأبشع أشكال الاستغلال والظلم. وقد تركت هذه الحقبة إرثاً عميقاً من الفقر والتخلف الاجتماعي والاقتصادي في العديد من الدول التي كانت مستعمرات بريطانية أو وجهة للعبيد. وعلى الرغم من أن بريطانيا دفعت تعويضات ضخمة لأصحاب العبيد عند إلغاء العبودية، إلا أنها لم تقدم أي تعويضات للعبيد أنفسهم أو لذريتهم، مما يمثل نقطة خلاف رئيسية في النقاش الحالي.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت الأصوات المطالبة بالعدالة التصالحية والتعويضات عن جرائم العبودية. وتعتبر مجموعة “كاريكوم” (الجماعة الكاريبية) من أبرز الجهات التي تقود هذه الحركة، حيث وضعت خطة من عشر نقاط للمطالبة بالتعويضات، تشمل الاعتذار الرسمي، وإعادة التأهيل النفسي، ودعم التنمية الثقافية، وإعادة الديون، وغيرها. وتضم هذه المجموعة عدداً من الدول التي كانت ضحايا للعبودية البريطانية، وتسعى إلى حوار جاد مع الدول الأوروبية التي استفادت من هذه التجارة.
تأثير التهديد البريطاني وتداعياته المحتملة
إن التهديد بوقف التأشيرات، إذا ما تم تنفيذه، يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المستويين الدبلوماسي والإنساني. فعلى الصعيد الدبلوماسي، قد يؤدي هذا الإجراء إلى توتر العلاقات بين المملكة المتحدة وهذه الدول، التي يبلغ عددها 19 دولة، مما قد يؤثر على التعاون في مجالات أخرى مثل التجارة والأمن. كما أنه يرسل رسالة سلبية حول استعداد بريطانيا لمواجهة ماضيها الاستعماري والتعامل مع قضايا العدالة التاريخية.
أما على الصعيد الإنساني، فإن وقف التأشيرات سيؤثر بشكل مباشر على حياة الأفراد، بما في ذلك الطلاب والعمال والزوار الذين يعتمدون على السفر إلى المملكة المتحدة لأغراض التعليم أو العمل أو زيارة الأقارب. وقد يؤدي ذلك إلى تفاقم التحديات الاقتصادية في بعض هذه الدول، ويحد من فرص التبادل الثقافي والأكاديمي. هذا الموقف المتشدد من حزب الإصلاح يعكس تياراً متنامياً في بعض الأوساط السياسية الغربية يرفض الاعتراف بالمسؤولية التاريخية عن الاستعمار والعبودية، مفضلاً التركيز على “المضي قدماً” دون معالجة المظالم الماضية بشكل كامل. ومع ذلك، فإن الضغط الدولي والمحلي على بريطانيا للاعتراف بمسؤوليتها وتقديم شكل من أشكال التعويضات من المرجح أن يستمر ويتصاعد، بغض النظر عن مواقف الأحزاب السياسية.




