حوار عسكري أمريكي روسي: استئناف الاتصالات لتجنب التصعيد
استئناف الحوار العسكري بين واشنطن وموسكو
في خطوة لافتة وسط تصاعد التوترات العالمية، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن التوصل إلى اتفاق مع روسيا لاستئناف الحوار العسكري رفيع المستوى بين البلدين. يأتي هذا الإعلان في توقيت حرج، خاصة بعد تعليق روسيا لمشاركتها في معاهدة “نيو ستارت”، وهي آخر اتفاقية كبرى قائمة للحد من التسلح النووي بين القوتين العظميين، مما أثار مخاوف دولية من انطلاق سباق تسلح جديد.
وقد أكدت القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي في بيان رسمي على أهمية هذه الخطوة، مشيرة إلى أن “الحفاظ على الحوار بين الجيوش عامل مهم في الاستقرار والسلام العالميين”. وأضاف البيان أن هذه القنوات الاتصالية “توفر وسيلة لزيادة الشفافية وخفض التصعيد”، وهو أمر ضروري لمنع الحسابات الخاطئة التي قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين القوتين النوويتين.
خلفية تاريخية: من الحرب الباردة إلى “نيو ستارت”
يعود تاريخ الحوارات العسكرية ومعاهدات الحد من التسلح بين واشنطن وموسكو إلى حقبة الحرب الباردة، حيث كانت هذه الآليات ضرورية لإدارة التنافس ومنع اندلاع حرب نووية. بدأت هذه الجهود بمعاهدات مثل “سالت” (SALT) في السبعينيات، وتطورت إلى معاهدات “ستارت” (START) التي سعت إلى تخفيض الترسانات النووية بشكل كبير بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. كانت معاهدة “نيو ستارت”، التي تم توقيعها في عام 2010، تمثل تتويجًا لهذه الجهود، حيث فرضت قيودًا على عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية التي يمكن لكل جانب نشرها.
إلا أن هذا الهيكل الأمني بدأ بالتآكل في السنوات الأخيرة، مع انهيار معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF) في عام 2019، وبلغ التدهور ذروته في فبراير 2023 عندما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعليق مشاركة بلاده في “نيو ستارت”، متهمًا الغرب بالسعي لإلحاق “هزيمة استراتيجية” بروسيا في أوكرانيا.
أهمية الحوار وتأثيره المتوقع
على الرغم من أن استئناف الحوار العسكري لا يعني عودة العلاقات إلى طبيعتها، إلا أنه يحمل أهمية استراتيجية بالغة. فعلى المستوى الدولي، يبعث هذا الاتفاق برسالة طمأنة حذرة إلى العالم بأن القوتين الكبريين لا تزالان تسعيان لإدارة خلافاتهما وتجنب الصدام المباشر. وعلى المستوى الإقليمي، خاصة في أوروبا والشرق الأوسط، حيث تتواجد القوات الأمريكية والروسية على مقربة من بعضها البعض (كما في سوريا والبحر الأسود)، تعمل هذه القنوات كصمام أمان لمنع الحوادث العسكرية غير المقصودة.
يُعرف هذا النوع من الحوار بـ “منع التضارب” (Deconfliction)، ويهدف إلى ضمان عدم تحول أي احتكاك عرضي إلى أزمة كبرى. وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، يصبح وجود خطوط اتصال مفتوحة بين كبار القادة العسكريين في البلدين ضرورة ملحة للحفاظ على الاستقرار العالمي ومنع أي تصعيد قد يخرج عن السيطرة.




