ترمب والضغط على أوروبا داخل الناتو: مستقبل الحلف على المحك

تثير تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإدارته خلال الأيام الأخيرة تساؤلات جديدة حول مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وسط مؤشرات على احتمال إعادة تقييم أسس الشراكة الدفاعية عبر الأطلسي. ويأتي هذا التصعيد في وقت تستعد فيه واشنطن لاستقبال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، مما يضع ملف الضغط على أوروبا داخل الناتو في صدارة الاهتمامات قبل قمة الحلف المرتقبة. ومن المقرر أن يلتقي روته بالرئيس ترمب في البيت الأبيض، في لقاء يُنظر إليه باعتباره من أكثر الاجتماعات أهمية منذ عودة ترمب إلى الرئاسة، حيث سيسعى الطرفان لتهدئة التوتر وتحديد مسار العلاقة المستقبلية.
جذور الخلاف: مطلب الـ 2% وتاريخ من الانتقادات
لم تكن مطالبة ترمب للحلفاء الأوروبيين بزيادة إنفاقهم الدفاعي وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسياسة انتهجها بقوة خلال فترة رئاسته الأولى وما بعدها. يعود أساس هذا المطلب إلى قمة الناتو في ويلز عام 2014، التي عُقدت في أعقاب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، حيث تعهد أعضاء الحلف بالعمل على رفع إنفاقهم الدفاعي ليصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024. ويرى ترمب أن العديد من الدول الأوروبية، وخاصة الاقتصادات الكبرى مثل ألمانيا، لم تفِ بالتزاماتها، مما يلقي عبئاً مالياً غير متناسب على عاتق الولايات المتحدة التي تساهم بالجزء الأكبر في ميزانية الدفاع الجماعي للحلف. هذه الرؤية القائمة على “تقاسم الأعباء” تشكل حجر الزاوية في سياسة ترمب تجاه الحلف، حيث يربط بشكل مباشر بين الالتزام المالي للدول الأعضاء وضمانات الحماية الأمريكية.
تصعيد الضغط على أوروبا داخل الناتو قبيل قمة أنقرة
يكتسب توقيت هذه الضغوط أهمية خاصة، حيث يأتي قبل أسابيع قليلة من قمة قادة الحلف المقررة في أنقرة. وتُعد القمم الدورية للناتو منصات حيوية لاتخاذ قرارات استراتيجية وتأكيد وحدة الصف بين الأعضاء. وبالتالي، فإن تصريحات ترمب الحادة تهدف إلى دفع الحلفاء الأوروبيين لاتخاذ خطوات ملموسة وتقديم تعهدات واضحة بزيادة الإنفاق قبل انعقاد القمة. على الصعيد الإقليمي، يُنظر إلى هذا الضغط كعامل قد يدفع الدول الأوروبية إلى تسريع خططها لتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية وتقليل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، وهو ما يُعرف بمفهوم “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”. أما دولياً، فتثير هذه التوترات قلقاً بشأن تماسك الحلف في مواجهة التحديات الأمنية العالمية المتزايدة، وعلى رأسها التهديد الروسي المستمر.
لقاء روته وترمب: اختبار حقيقي للدبلوماسية
يقع على عاتق الأمين العام الجديد للناتو، مارك روته، مهمة شاقة تتمثل في التوسط بين مطالب واشنطن ومواقف العواصم الأوروبية. ويُنظر إلى لقائه مع ترمب على أنه اختبار حقيقي لقدرته على إدارة هذه العلاقة المعقدة والحفاظ على وحدة الحلف. لن يكون الاجتماع مجرد لقاء بروتوكولي، بل سيشكل فرصة لوضع الخطوط العريضة للتفاهمات التي يمكن أن تُطرح في قمة أنقرة. وسيراقب الحلفاء والخصوم على حد سواء نتائج هذا اللقاء عن كثب، كونه سيقدم مؤشراً واضحاً على مدى استعداد إدارة ترمب للتعاون ضمن الأطر التقليدية للناتو، ومدى قدرة أوروبا على التكيف مع المتطلبات الأمريكية الجديدة.




