أخبار إقليمية

التعاون العراقي السوري: بغداد ودمشق نحو مستقبل مشترك

في خطوة دبلوماسية بالغة الأهمية، وصل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى دمشق في أول زيارة رسمية لمسؤول عراقي رفيع المستوى منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد نهاية عام 2024. وتأتي هذه الزيارة لتؤسس لمرحلة جديدة ومفصلية في مسار التعاون العراقي السوري، حيث بحث حسين مع نظيره في الحكومة السورية الجديدة، أسعد الشيباني، سبل تعزيز العلاقات الثنائية ومواجهة التحديات المشتركة التي تفرضها المتغيرات الإقليمية والدولية. وأفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن المباحثات ركزت على تطوير آليات التنسيق في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين.

تجاوز الماضي وبناء مستقبل مشترك

ترتبط سوريا والعراق بعلاقات تاريخية وجغرافية واجتماعية عميقة الجذور، لكن هذه العلاقات شهدت تقلبات حادة خلال العقود الماضية. فمنذ الانقسامات الأيديولوجية بين فرعي حزب البعث الحاكم في البلدين، وصولاً إلى حالة عدم الاستقرار التي أعقبت عام 2003 في العراق، ظلت الحدود الطويلة بينهما مسرحاً لتحديات أمنية معقدة. وقد بلغ هذا التحدي ذروته مع ظهور تنظيم “داعش” الإرهابي الذي سيطر على مساحات شاسعة على جانبي الحدود، مما فرض على البلدين مستوى من التنسيق الأمني الضروري لمكافحته. اليوم، ومع بزوغ فجر جديد في سوريا، تسعى بغداد ودمشق إلى طي صفحة الماضي بكل تعقيداته، والانطلاق نحو شراكة استراتيجية مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مستفيدين من الروابط الثقافية والاجتماعية التي لم تنقطع يوماً.

أولوية أمنية لتعزيز التعاون العراقي السوري

يمثل الملف الأمني حجر الزاوية في المباحثات الحالية، إذ يشكل تأمين الحدود المشتركة التي تمتد لأكثر من 600 كيلومتر أولوية قصوى لكلا البلدين. وتهدف المباحثات إلى وضع أطر عمل مشتركة لمنع تسلل الجماعات الإرهابية، ومكافحة شبكات الجريمة المنظمة والتهريب، وضمان عدم تحول المناطق الحدودية إلى بؤر للتوتر مجدداً. إن نجاح التعاون الأمني لن يساهم فقط في استقرار العراق وسوريا، بل سيكون له تأثير إيجابي مباشر على أمن المنطقة بأكملها، ويمنع أي فراغ أمني قد تستغله قوى خارجية أو تنظيمات متطرفة لزعزعة الاستقرار الإقليمي.

آفاق اقتصادية وتكامل إقليمي

على الصعيد الاقتصادي، تفتح هذه الزيارة الباب واسعاً أمام فرص هائلة للبلدين. فالعراق يمثل عمقاً استراتيجياً وسوقاً حيوية للمنتجات السورية، بينما تشكل سوريا بوابة العراق التجارية نحو البحر الأبيض المتوسط وأوروبا. ومن المتوقع أن تركز المباحثات على إعادة تفعيل المعابر الحدودية بشكل كامل، وتسهيل حركة التبادل التجاري، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة. كما يمكن للعراق أن يلعب دوراً محورياً في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا، مما يخلق فرص عمل ويحفز النمو الاقتصادي في كلا البلدين، ويؤسس لدرجة من التكامل الاقتصادي الذي يعزز صمودهما في وجه التحديات الاقتصادية العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى