رياضة

جوليان كينيونيس: من كولومبيا إلى بطل قومي في المكسيك

لم يكن الهدف الذي سجله جوليان كينيونيس في شباك جنوب أفريقيا خلال افتتاح كأس العالم 2026 مجرد بداية لمشوار المكسيك في البطولة التي تستضيفها، بل كان تتويجاً لرحلة إنسانية ورياضية ملهمة لرجل قطع آلاف الكيلومترات بحثاً عن حياة جديدة، ليصبح أحد أبرز وجوه منتخب “إل تري كولور” والمثال الحي على قدرة كرة القدم على تغيير المصائر.

على أرض ملعب أزتيكا التاريخي، وأمام جماهير احتشدت للاحتفال بانطلاق المونديال، منح كينيونيس منتخب المكسيك تقدماً مبكراً، واضعاً فريقه على طريق الفوز بنتيجة 2-0. كانت ليلة تحمل الكثير من الرمزية للاعب لم يولد مكسيكياً، لكنه اختار بامتنان تمثيل البلد الذي صنع نجوميته ومنحه الاستقرار وفرصة بناء مستقبل آمن، بعيداً عن ماضٍ مضطرب.

من حواري العنف إلى أضواء الشهرة

وُلد المهاجم البالغ من العمر 29 عاماً في بلدة ماغوي بايان جنوب كولومبيا، وهي منطقة عانت لسنوات طويلة من ويلات العنف والصراعات المسلحة، مما جعل ظروف النشأة فيها قاسية ومليئة بالتحديات. في تلك البيئة الصعبة، بدأت حكاية جوليان كينيونيس، حيث كانت كرة القدم بالنسبة له ليست مجرد لعبة، بل طوق نجاة ونافذة أمل للعبور إلى عالم مختلف تماماً.

جاءت فرصته الأولى من خلال مشروع اجتماعي يحمل اسم “فوتبول باز” (كرة القدم من أجل السلام)، والذي هدف إلى إبعاد الشباب عن دائرة العنف عبر الرياضة. في عام 2013، وصل إلى مدينة كالي لخوض تجربة أداء مع أحد الفرق المرتبطة بالمشروع. لم يحتج سوى مباراة واحدة لإثبات موهبته الفذة بعدما سجل 4 أهداف، ليحجز مكانه سريعاً ويبدأ رحلة صعود استثنائية نحو الاحتراف.

المكسيك.. الوطن الذي احتضن الموهبة

قادته تلك الرحلة لاحقاً إلى الملاعب المكسيكية، حيث انفجرت موهبته التهديفية وصنع لنفسه اسماً كواحد من أبرز المهاجمين في الدوري المحلي. تنقل بين عدة أندية، لكن نجمه سطع بشكل لافت بعدما قاد نادي أطلس لتحقيق لقب الدوري مرتين بعد غياب طويل، ثم واصل تألقه مع نادي أمريكا، أحد أكبر أندية البلاد. تحول إلى نجم جماهيري محبوب، وفي عام 2023، حصل على الجنسية المكسيكية وأصبح مؤهلاً لتمثيل المنتخب الوطني.

ورغم محاولات متأخرة من الاتحاد الكولومبي لكرة القدم لإقناعه بالعودة وتمثيل بلده الأم، كان كينيونيس قد حسم قراره بالفعل. أكد في أكثر من مناسبة أن اختياره للمكسيك جاء تقديراً وعرفاناً للبلد الذي وفر له الأمان والاستقرار ومنحه فرصة بناء حياته ومسيرته الرياضية، وهو ما لم يجده في وطنه الأصلي.

بصمة تاريخية في المونديال

يواصل كينيونيس حالياً مسيرته الاحترافية في الدوري السعودي، بعدما لفت الأنظار بأرقامه التهديفية المميزة، حتى إنه نجح في موسم استثنائي في التفوق على النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو في سباق الهدافين. لكن كل تلك الإنجازات بدت وكأنها محطات على الطريق نحو لحظة أكثر خصوصية. في افتتاح كأس العالم 2026، لم يسجل كينيونيس هدفاً عادياً، بل كتب فصلاً جديداً من قصة لاعب هرب من واقع صعب في كولومبيا ليصبح صاحب أول أهداف المكسيك في مونديال تستضيفه أمام جماهيرها، مؤكداً أن كرة القدم لا تغير مسار المباريات فحسب، بل قد تغير مصائر البشر أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى