أخبار العالم

هل اقتربت ساعة الصفر في كوبا؟ تصعيد أمريكي واحتجاجات داخلية

لم تعد كوبا مجرد جزيرة كاريبية هادئة تُذكر فقط في كتب التاريخ والحرب الباردة، بل عادت بقوة لتتصدر المشهد العالمي. فمع اندلاع احتجاجات شعبية نادرة بسبب الجوع ونقص السلع الأساسية، وتحرك حاملات الطائرات الأمريكية في مياه المنطقة، يتساءل الكثيرون: هل اقتربت بالفعل ساعة الصفر في كوبا؟ هذا التوتر المتصاعد ليس وليد اللحظة، بل هو أحدث فصول المواجهة التي أشعلتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والتي كانت تهدف صراحة إلى ما أسمته “تحرير كوبا” وإنهاء الإرث الماركسي على بعد 90 ميلاً فقط من سواحل فلوريدا.

جذور الصراع: إرث ثقيل من الحرب الباردة

لفهم الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى عام 1959، حين أطاحت ثورة فيدل كاسترو بنظام باتيستا المدعوم أمريكياً، لتؤسس أول دولة شيوعية في نصف الكرة الغربي. هذا التحول الجذري أدى إلى قطيعة كاملة مع واشنطن، التي فرضت حظراً اقتصادياً وتجارياً شاملاً يُعرف بـ “el bloqueo” منذ أوائل الستينيات. وقد شكل هذا الحصار حجر الزاوية في السياسة الأمريكية تجاه كوبا لعقود، بهدف خنق اقتصادها وإسقاط نظامها. شهدت هذه الفترة أحداثاً كادت أن تشعل حرباً عالمية، أبرزها عملية غزو خليج الخنازير الفاشلة عام 1961، وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 التي وضعت العالم على حافة الهاوية النووية. ورغم محاولات الانفتاح المحدودة في عهد الرئيس أوباما، إلا أن إدارة ترامب أعادت عقارب الساعة إلى الوراء، مشددة العقوبات ومتبنية خطاباً عدائياً أعاد إحياء شبح المواجهة المباشرة.

لماذا تلوح ساعة الصفر في كوبا الآن؟

المشهد الحالي هو نتاج تقاطع عاملين رئيسيين: ضغط خارجي غير مسبوق وأزمة داخلية خانقة. فمن ناحية، لم تكتفِ واشنطن بتشديد العقوبات، بل بدأت في استخدام لغة التهديد العسكري المباشر، وهو ما يفسر تحرك قطعها البحرية المتقدمة في البحر الكاريبي. الهدف المعلن هو “إنهاء الطغيان” في كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، وهو ما تعتبره هافانا تدخلاً سافراً في شؤونها. ومن ناحية أخرى، يعاني الداخل الكوبي من أسوأ أزمة اقتصادية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تفاقمت بسبب جائحة كوفيد-19 التي دمرت قطاع السياحة الحيوي، إلى جانب العقوبات الأمريكية التي تعرقل وصول الإمدادات الأساسية. هذا الوضع أدى إلى نقص حاد في الغذاء والدواء والوقود، وأشعل فتيل احتجاجات شعبية عفوية في عدة مدن، وهو أمر نادر الحدوث في ظل القبضة الأمنية المشددة للنظام.

تداعيات تتجاوز حدود الجزيرة

إن أي تصعيد كبير في كوبا لن يبقى محصوراً داخل حدودها. فعلى الصعيد الإقليمي، قد يؤدي انهيار الوضع إلى موجة هجرة جماعية نحو الولايات المتحدة، مما يخلق أزمة إنسانية وسياسية على سواحل فلوريدا. أما على الصعيد الدولي، فإن الأزمة الكوبية تمثل ساحة جديدة للصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى. فروسيا والصين، حليفتا كوبا التقليديتان، تراقبان الموقف عن كثب وقد تتدخلان لدعم هافانا سياسياً واقتصادياً، في محاولة لتحدي النفوذ الأمريكي في عقر داره. وبالتالي، فإن ما يحدث في هذه الجزيرة الصغيرة قد يكون له أصداء عالمية، معيداً إلى الأذهان أجواء الاستقطاب التي سادت خلال الحرب الباردة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى