ارتباك إيراني حول مفاوضات واشنطن: بين توجيهات خامنئي وتحفظات الخارجية

تباين المواقف في طهران حول التفاوض مع الولايات المتحدة
في مشهد يعكس حالة من الارتباك الإيراني على صعيد السياسة الخارجية، ظهر تباين واضح في المواقف بين أعلى هرم السلطة ووزارة الخارجية بشأن إمكانية الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة. ففي حين نقل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان توجيهات من المرشد الأعلى علي خامنئي بالانخراط في مسار تفاوضي لمعالجة الوضع المتأزم، قللت وزارة الخارجية من فرص نجاح أي دبلوماسية في ظل ما وصفته بـ”الانتهاكات المتكررة” من الجانب الأمريكي. هذا التضارب في التصريحات يلقي بظلال من الشك حول استراتيجية طهران المستقبلية في التعامل مع واشنطن والملفات الإقليمية الشائكة.
وأوضح بزشكيان أن المرشد الأعلى سمح بالمضي قدماً في الحوار، قائلاً نقلاً عنه: “اذهبوا وحلوا المسألة”، في إشارة إلى ضرورة الخروج من حالة “اللا حرب واللا سلم” التي تضر بمصالح البلاد. وشدد الرئيس الإيراني على أن الحرب ليست في مصلحة إيران، لكنه أكد في الوقت ذاته أن بلاده “لن تتراجع إذا تعرضت لعدوان”. يأتي هذا الانفتاح الحذر من قبل المرشد في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية هائلة وعزلة دولية متزايدة.
جذور التوتر وسياق المواجهة الممتدة
لم يأتِ هذا التباين في المواقف من فراغ، بل هو نتاج عقود من العداء والتوتر بين طهران وواشنطن منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979. وقد شهدت هذه العلاقة محطات من التصعيد والتهدئة، كان أبرزها التوصل إلى الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2015، والذي كان يهدف إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق بشكل أحادي في عام 2018 في عهد الرئيس دونالد ترامب، وإعادة فرض عقوبات قاسية ضمن سياسة “الضغوط القصوى”، أعاد العلاقات إلى نقطة الصفر وأجج التوترات من جديد في منطقة الشرق الأوسط.
مشهد داخلي يعكس الارتباك الإيراني
يعكس هذا التباين في التصريحات الصراع الدائر بين التيارات السياسية داخل إيران، لا سيما بين التيار المحافظ المتشدد الذي يسيطر على مفاصل الدولة الرئيسية، والتيار الإصلاحي أو المعتدل الذي يمثله الرئيس بزشكيان. يرى المحافظون في أي تفاوض مع واشنطن تنازلاً ومساساً بمبادئ الثورة، بينما يرى المعتدلون أن الحوار الدبلوماسي ضروري لتخفيف العقوبات وإنقاذ الاقتصاد المنهار الذي أثقل كاهل المواطن الإيراني. وبالتالي، فإن توجيهات خامنئي قد تُفسر على أنها محاولة للموازنة بين هذه التيارات، وفتح نافذة للمناورة السياسية دون تقديم تنازلات جوهرية، مما يفسر التحفظ الذي أبدته وزارة الخارجية التي غالباً ما تعكس مواقف التيار الأكثر تشدداً.
تداعيات إقليمية ودولية محتملة
إن أي تغيير في الموقف الإيراني تجاه المفاوضات سيكون له تداعيات كبيرة تتجاوز حدودها. فعلى الصعيد الإقليمي، تراقب دول الجوار، مثل المملكة العربية السعودية وإسرائيل، هذا الموقف عن كثب. قد يؤدي الانخراط الإيراني في حوار جاد إلى تخفيف التوترات في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بأنشطة وكلاء إيران في اليمن وسوريا ولبنان والعراق. وعلى الصعيد الدولي، ترحب القوى الكبرى، خاصة الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي، بأي فرصة لإحياء الدبلوماسية ومنع إيران من تطوير أسلحة نووية، الأمر الذي من شأنه أن يطلق سباق تسلح خطير في المنطقة ويهدد الأمن العالمي. يبقى مستقبل هذه الدعوات للحوار مرهوناً بمدى جدية الطرفين وقدرة النظام الإيراني على توحيد خطابه السياسي الداخلي.




