أخبار العالم

تقرير: زيادة محطات توليد الكهرباء بالفحم عالمياً في 2025

شهد العالم في عام 2025 مفارقة غريبة في قطاع الطاقة، حيث سُجلت زيادة ملحوظة في بناء وتشغيل محطات توليد الكهرباء بالفحم، على الرغم من التراجع العام في استخدام هذا الوقود الملوث للبيئة. وفي تطور لافت، كانت الولايات المتحدة الأمريكية الاقتصاد الرئيسي الوحيد الذي سجل ارتفاعاً ملحوظاً في استهلاكه الفعلي للفحم، وذلك وفقاً لتقرير حديث نُشر يوم الخميس.

السياق التاريخي: الفحم كمحرك للنهضة الصناعية وتحديات التخلي عنه

تاريخياً، لعب الفحم الحجري دوراً محورياً في تشكيل الاقتصاد العالمي منذ انطلاق الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فقد كان المصدر الأساسي للطاقة الذي أضاء المدن وشغّل المصانع ودفع عجلة التطور التكنولوجي لعقود طويلة. ومع ذلك، وبمرور الزمن، أثبتت الدراسات العلمية أن هذا الاعتماد الكثيف جاء بتكلفة بيئية باهظة. يُعد الفحم اليوم المصدر الأكبر لانبعاثات غازات الدفيئة المسببة للاحترار المناخي، مما جعل التخلص التدريجي منه أمراً أساسياً وحتمياً في المعركة العالمية لمكافحة تغير المناخ والحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية.

التناقض العالمي: نمو محطات توليد الكهرباء بالفحم مقابل الطاقة المتجددة

في الوقت الحاضر، أصبحت مصادر الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح قادرة بشكل متزايد على تلبية الطلب العالمي المتنامي على الكهرباء. ويعود هذا التحول الإيجابي إلى الانخفاض التدريجي والمستمر في تكلفة إنشاء وتشغيل محطات الطاقة المتجددة، فضلاً عن اتساع رقعة انتشارها جغرافياً. وقد أسهم هذا التطور الملموس في تراجع الإنتاج الفعلي للكهرباء من الفحم عالمياً بنسبة 0.6% في عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه.

ولكن، بحسب تقرير جديد صادر عن “جلوبال إنرجي مونيتور” (مرصد الطاقة العالمي) – وهي منظمة دولية مرموقة ترصد استخدام الفحم منذ أكثر من عقد – فإنه رغم انخفاض الاستهلاك، ارتفعت القدرة العالمية على توليد الكهرباء من الفحم (أي الحجم الإجمالي للمحطات العاملة بهذا الوقود) بنسبة 3.5% خلال العام الماضي، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل سياسات الطاقة.

هيمنة الصين والهند على التوسعات الجديدة

أسهمت كل من الصين والهند بنسبة هائلة بلغت 95% من هذه الزيادة العالمية في القدرة الإنتاجية. فقد زادت الصين قدرتها الإنتاجية من الفحم بنسبة 6% العام الماضي، في حين انخفض استهلاكها الفعلي من هذا المصدر الملوث للطاقة بنسبة 1.2%. ويعود هذا التناقض جزئياً إلى النمو الكبير في قدرتها على توليد الطاقة المتجددة، حيث تنظر بكين إلى الفحم كمصدر احتياطي موثوق لتعويض أي عدم انتظام في إنتاج الطاقة المتجددة، ولا سيما بعد أزمة انقطاع التيار الكهربائي القاسية التي شهدتها البلاد قبل بضع سنوات.

أما في الهند، التي تُعد أكبر دول العالم من حيث عدد السكان، فقد ارتفعت القدرة الإنتاجية من الفحم بنحو 4%، بينما تراجع الاستهلاك بنحو 3%. وتعتمد الهند بدرجة كبيرة على الفحم لتلبية الطلب المتزايد بشراهة على الكهرباء. ورغم أن مصادر الطاقة غير الأحفورية تشكل حالياً 50% من القدرة الإنتاجية في الهند، إلا أن البلاد لا تزال تولّد نحو ثلاثة أرباع كهربائها من الفحم بسبب مشكلات هيكلية وتحديات في البنى التحتية لشبكات النقل والتوزيع.

وفي هذا السياق، أوضحت كريستين شيرر، مديرة مشروع رصد محطات الفحم في العالم التابع لـ”جلوبال إنرجي مونيتور” ومعدة التقرير، أن المقاطعات والولايات في كلا البلدين تتصدر جهود تطوير مشاريع الفحم. وتشكل هذه المناطق مراكز إنتاج كبرى تمتلك مصالح صناعية واقتصادية ضخمة تدفعها لمواصلة بناء محطات جديدة.

التداعيات المناخية وتأثير استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري

إن استمرار بناء وتشغيل هذه المحطات يحمل تأثيرات وتداعيات بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً وإقليمياً، يؤدي حرق الفحم إلى تدهور جودة الهواء وزيادة معدلات التلوث، مما يفرض أعباء صحية واقتصادية على المجتمعات المجاورة. أما على الصعيد الدولي، فإن هذا التوجه يهدد بتقويض الجهود العالمية لتحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ.

وتُعد الصين حالياً أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، تليها الولايات المتحدة في المرتبة الثانية، ثم الهند في المرتبة الثالثة. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم يكمن في كيفية دعم الدول النامية وذات الكثافة السكانية العالية لتحديث بنيتها التحتية، وتوفير بدائل طاقة مستدامة وموثوقة تغنيها عن العودة إلى الفحم كطوق نجاة لضمان أمنها القومي في مجال الطاقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى