الطلاق الإستراتيجي الإيراني: مستقبل لبنان على المحك بعد غزة

تدير طهران سياستها في المنطقة بين نقيضين: صمت ميداني وضجيج دبلوماسي، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل حلفائها، خاصة في لبنان بعد أحداث غزة. فمع كل تصعيد إسرائيلي ضد بيروت أو الجنوب اللبناني، يظهر جلياً الحذر العسكري الإيراني، مقابل خطاب دبلوماسي عالٍ يهدف إلى حفظ ماء الوجه. هذا التناقض يطرح بقوة فرضية الطلاق الإستراتيجي الإيراني، حيث قد تضطر طهران للتضحية بأوراقها الإقليمية للحفاظ على مصالحها العليا، مما يضع لبنان في قلب عاصفة من التكهنات.
هذا السلوك المزدوج ليس وليد اللحظة، بل يعكس استراتيجية إيرانية راسخة تسعى لموازنة دقيقة بين تصدير الثورة ودعم الحلفاء من جهة، وحماية الأمن القومي الإيراني وتجنب حرب شاملة من جهة أخرى. فكلما تصاعدت الهجمات والتهديدات الإسرائيلية، انكفأ الفعل العسكري الإيراني المباشر خلف حسابات التراجع والحذر، بينما اندفعت الماكينة الدبلوماسية لتصنع ضجيجاً عبر تعليق المحادثات غير المباشرة مع واشنطن، واشتراط لجم إسرائيل كشرط للعودة إلى الطاولة.
محور المقاومة: من التأسيس إلى التحديات الراهنة
لفهم الديناميكيات الحالية، لا بد من العودة إلى جذور العلاقة بين إيران وحلفائها. منذ الثورة الإسلامية عام 1979، عملت إيران على بناء شبكة من التحالفات الإقليمية عُرفت بـ”محور المقاومة”، بهدف تعزيز نفوذها ومواجهة خصومها، وعلى رأسهم إسرائيل والولايات المتحدة. ويُعد حزب الله في لبنان، الذي تأسس بدعم إيراني مباشر في ثمانينيات القرن الماضي، حجر الزاوية في هذا المحور وأهم أذرعه العسكرية والسياسية. على مر العقود، تطورت قدرات الحزب ليصبح قوة إقليمية يُحسب لها حساب، وخاض حروباً شرسة أبرزها حرب يوليو 2006 التي عززت من مكانته كرادع لإسرائيل.
غزة كنموذج: هل يتكرر سيناريو الطلاق الإستراتيجي الإيراني؟
أعادت الحرب الأخيرة في غزة تسليط الضوء على حدود الدعم الإيراني لحلفائها. فعلى الرغم من الدعم الخطابي واللوجستي لحركة حماس، تجنبت طهران الانخراط المباشر في الصراع أو فتح جبهات كبرى لتخفيف الضغط عن القطاع. هذا الموقف فسّره العديد من المحللين على أنه “طلاق استراتيجي” مؤقت، حيث أعطت إيران الأولوية القصوى لتجنب مواجهة مباشرة قد تهدد أمنها القومي وبرنامجها النووي. واليوم، يخشى الكثيرون في لبنان من تكرار هذا السيناريو. فهل ستترك إيران حزب الله يواجه مصيره منفرداً في حال اندلاع حرب واسعة النطاق مع إسرائيل، مكتفية بالضجيج الدبلوماسي والمناورات السياسية؟
تداعيات إقليمية ودولية على المحك
إن أي تصعيد كبير على الجبهة اللبنانية لن تقتصر تداعياته على بيروت وتل أبيب، بل سيهدد استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها. تدرك القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، حجم المخاطر، وهو ما يفسر حراكها الدبلوماسي المكثف لاحتواء الموقف وتطبيق القرار الأممي 1701. تسعى طهران من خلال سياستها الحذرة إلى الإمساك بالورقة اللبنانية واستخدامها كورقة ضغط في مفاوضاتها الأوسع مع الغرب، دون الانجرار إلى حرب مدمرة قد تقضي على أهم إنجازاتها الاستراتيجية المتمثلة في حزب الله. إن الإصرار الإيراني على التحكم بقرار السلم والحرب في لبنان عبر حلفائها، يفضح سعياً حثيثاً لمصادرة القرار الرسمي اللبناني، وإبقائه ورقة رابحة في يدها.




