إسرائيل تُعقّد مفاوضات لبنان: ألغام في طريق التسوية

في مشهد يلفه الغموض والترقب، تتراكم الإشارات المتناقضة حول مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، دون أن تتضح بعد معالم الطريق نحو التهدئة المستدامة. فبينما لا تبدو المفاوضات الفعلية قد بدأت بشكل جدي، ولا تقترب الحرب من نهايتها، تتقدم الوقائع ببطء، محملة برسائل سياسية تتجاوز ظاهرها. في هذا الفراغ الملتبس، لا يبدو التعطيل مجرد نتيجة عارضة، بل جزءًا من إدارة مقصودة للمسار، حيث تختلط الضبابية بالتشدد، ويُترك الباب مواربًا أمام احتمالات متناقضة.
لطالما كانت العلاقة بين لبنان وإسرائيل محفوفة بالتوترات والصراعات، التي تعود جذورها إلى عقود طويلة من النزاعات الحدودية البرية والبحرية. فبعد حروب متعددة، أبرزها حرب عام 2006، ظلت قضايا ترسيم الحدود نقطة خلاف رئيسية، لا سيما في منطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، بالإضافة إلى النزاع على المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر الأبيض المتوسط. هذه الخلفية التاريخية المعقدة تجعل أي محاولة للتسوية محفوفة بالمخاطر، وتتطلب إرادة سياسية حقيقية من الطرفين، وهو ما يبدو غائبًا في المشهد الحالي.
تتعامل إسرائيل مع ملف التفاوض ليس كمسار لوقف النزيف أو فتح باب جديد للحلول، بل كأداة مكملة للآلة العسكرية. فبدلاً من السعي نحو تسوية حقيقية، يبدو أن الهدف هو تفخيخ هذا المسار بسلسلة من الشروط والتسريبات التي تجعل من أي طاولة تفاوضية أمرًا مستحيلاً. هذا التكتيك، الذي يجمع بين الضغط العسكري والدبلوماسية المتعثرة، يهدف إلى فرض واقع معين على الأرض أو في البحر، مع إبقاء خيارات التصعيد مفتوحة، مما يزيد من تعقيد المشهد ويُلقي بظلاله على أي أفق للسلام.
إن أهمية هذه المفاوضات تتجاوز حدود البلدين لتلامس الاستقرار الإقليمي والدولي. بالنسبة للبنان، الذي يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة وغير مسبوقة، يمكن أن يمثل ترسيم الحدود البحرية والقدرة على استكشاف واستغلال موارده من الغاز الطبيعي شريان حياة اقتصاديًا حيويًا. إن أي تصعيد عسكري أو استمرار للجمود السياسي يهدد بتقويض فرص التعافي الاقتصادي ويزيد من هشاشة الوضع الداخلي، الذي يعاني أصلاً من انقسامات سياسية واجتماعية عميقة. كما أن استقرار الحدود الجنوبية للبنان أمر بالغ الأهمية للحفاظ على السلم الأهلي وتجنب المزيد من النزوح والدمار.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن تأمين حدودها الشمالية وضمان مصالحها الأمنية والاقتصادية في شرق المتوسط يمثل أولوية قصوى. فالصراع مع لبنان، وتحديدًا مع حزب الله، يشكل تحديًا أمنيًا مستمرًا. إن تعقيد المفاوضات وتفخيخها قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لإدارة هذا التحدي، أو لفرض شروط تخدم مصالحها الأمنية على المدى الطويل، حتى لو كان ذلك على حساب فرص السلام. كما أن أي تصعيد قد يؤثر على استقرار المناطق الشمالية في إسرائيل ويزيد من الضغوط على حكومتها.
على الصعيد الإقليمي والدولي، تتابع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والأمم المتحدة، هذه التطورات بقلق بالغ. فلبنان يقع في قلب منطقة مضطربة، وأي شرارة صراع بينه وبين إسرائيل يمكن أن تمتد تداعياتها لتشمل أطرافًا إقليمية أخرى، مثل إيران وسوريا، مما يهدد بتأجيج صراع أوسع نطاقًا. الجهود الدبلوماسية الدولية، التي غالبًا ما تتوسط في هذه النزاعات، تواجه تحديات كبيرة في ظل المواقف المتصلبة والشكوك المتبادلة. إن استمرار هذا الجمود قد يؤدي إلى تآكل الثقة في الحلول الدبلوماسية ويزيد من احتمالات اللجوء إلى الخيارات العسكرية، مما يهدد الأمن والسلم الدوليين.
في الختام، يبدو أن طريق “التسوية المستحيلة” بين لبنان وإسرائيل لا يزال مليئًا بالألغام السياسية والدبلوماسية. فما لم تتغير المقاربة الإسرائيلية وتتجه نحو حلول بناءة، وما لم يتمكن المجتمع الدولي من فرض إطار تفاوضي فعال وعادل، فإن شبح التصعيد سيبقى يلوح في الأفق، مهددًا بمزيد من عدم الاستقرار في منطقة لا تحتمل المزيد من الصراعات.




