أخبار إقليمية

روسيا تستدعي سفيرها في أرمينيا: تصعيد دبلوماسي جديد

في خطوة دبلوماسية لافتة تعكس حجم التوتر المتصاعد بين الحليفين التاريخيين، أعلنت وزارة الخارجية الروسية أنها قررت استدعاء سفيرها في يريفان، سيرغي كوبيركين، إلى موسكو لإجراء مشاورات. ويأتي هذا القرار، الذي وصفته موسكو بأنه رد على سلسلة من “الخطوات غير الودية” من جانب القيادة الأرمينية، ليؤكد أن روسيا تستدعي سفيرها في أرمينيا كرسالة احتجاج واضحة على توجه يريفان المتزايد نحو تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الروسية في بيانها إن المشاورات ستتناول الوضع الحالي في العلاقات الثنائية التي تشهد تدهوراً ملحوظاً، خاصة بعد تصريحات ومبادرات أرمينية اعتبرتها موسكو مساساً بمصالحها الاستراتيجية في منطقة جنوب القوقاز.

جذور التوتر: تحول استراتيجي في سياسة يريفان

لم يأتِ هذا التوتر من فراغ، بل هو نتاج تراكمات بدأت تظهر بوضوح في أعقاب حرب ناغورنو كاراباخ الثانية عام 2020، وما تلاها من أحداث. شعرت أرمينيا، العضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) التي تقودها روسيا، بأن حليفها التقليدي لم يقدم الدعم الكافي لحماية مصالحها وأمنها القومي، خاصة بعد سيطرة أذربيجان الكاملة على إقليم كاراباخ في سبتمبر 2023. هذا الشعور بالإحباط دفع رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، إلى تجميد مشاركة بلاده عملياً في أنشطة الحلف العسكري، والبدء في البحث عن شركاء أمنيين جدد في الغرب.

وقد تجلى هذا التحول في سياسة يريفان الخارجية عبر عدة خطوات، منها المشاركة في تدريبات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، والسعي لتوقيع اتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تصريحات رسمية تنتقد دور قوات حفظ السلام الروسية، وصولاً إلى الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهي خطوة أثارت حفيظة الكرملين بشدة.

روسيا تستدعي سفيرها في أرمينيا: رسالة دبلوماسية مشددة

يُنظر إلى استدعاء السفير في الأعراف الدبلوماسية على أنه إجراء قوي يعبر عن استياء شديد، ويسبق أحياناً خطوات أكثر تصعيداً مثل تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي أو حتى قطع العلاقات. من خلال هذه الخطوة، تبعث موسكو برسالة لا لبس فيها إلى يريفان مفادها أن صبرها بدأ ينفد، وأن التقارب مع الغرب على حساب العلاقات مع روسيا سيكون له عواقب وخيمة. يرى المحللون أن روسيا تخشى من فقدان نفوذها التاريخي في جنوب القوقاز، وهي منطقة تعتبرها جزءاً حيوياً من “مجالها القريب”، خاصة في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا.

التداعيات المحتملة على المنطقة

إن هذا الشرخ المتزايد بين موسكو ويريفان قد يعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بأكملها. فابتعاد أرمينيا عن المظلة الروسية قد يفتح الباب أمام نفوذ أكبر لقوى إقليمية أخرى مثل تركيا وإيران، كما أنه قد يؤثر على مسار مفاوضات السلام الهشة بين أرمينيا وأذربيجان. بالنسبة للغرب، يمثل هذا التحول فرصة لتقليص النفوذ الروسي في منطقة استراتيجية، لكنه يحمل في طياته أيضاً مخاطر زعزعة الاستقرار في حال قررت موسكو اتخاذ إجراءات عقابية اقتصادية أو أمنية ضد أرمينيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى