أخبار إقليمية

من يتحكم في قرار إيران؟ تصريحات بزشكيان تكشف صراع السلطة

أعادت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجدل القديم المتجدد حول طبيعة السلطة ومن يملك الكلمة الفصل في صياغة قرار إيران النهائي، في ظل تركيبة سياسية معقدة تتداخل فيها المؤسسات المنتخبة مع هيئات نافذة غير منتخبة. ففي تصريح أثار اهتمام المراقبين، أكد بزشكيان يوم الأحد أن إدارة البلاد يجب ألا تنحصر في دائرة محدودة من صانعي القرار، وهو ما فُسّر على نطاق واسع بأنه إشارة مباشرة إلى النفوذ المتنامي لمؤسسات قوية داخل الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي يمسك بملفات استراتيجية تتجاوز صلاحيات الحكومة المنتخبة.

تعيش إيران حالة من الانقسام والضبابية في مراكز القرار، وسط تساؤلات متزايدة في الأوساط الغربية حول من يحكم فعلياً داخل طهران. هذه التصريحات لا تأتي من فراغ، بل هي انعكاس لصراع أجنحة مستمر داخل النظام الإيراني بين التيار الإصلاحي الذي يمثله بزشكيان، والذي يسعى لتوسيع صلاحيات الرئاسة، والتيار المحافظ المتشدد الذي يرى في الحرس الثوري ومكتب المرشد الأعلى الضامن الأساسي لمبادئ الثورة الإسلامية.

هيكل السلطة المعقد: من يملك الكلمة الفصل؟

لفهم أبعاد هذا الجدل، لا بد من العودة إلى بنية النظام السياسي الإيراني الذي تأسس بعد ثورة 1979. يقوم النظام على مبدأ “ولاية الفقيه”، الذي يمنح المرشد الأعلى، علي خامنئي حالياً، السلطة المطلقة والنهائية في جميع شؤون الدولة، العسكرية والسياسية والاقتصادية. وإلى جانب مؤسسة المرشد، توجد مؤسسات منتخبة كالرئاسة والبرلمان، لكن صلاحياتها تظل مقيدة ومحدودة أمام الهيئات غير المنتخبة، مثل مجلس صيانة الدستور الذي يشرف على القوانين ويوافق على أهلية المرشحين، والحرس الثوري الذي تحول من قوة عسكرية إلى إمبراطورية اقتصادية وسياسية هائلة.

الحرس الثوري ودوره في صياغة قرار إيران

يُعتبر الحرس الثوري الإيراني لاعباً محورياً في تحديد مسار قرار إيران الاستراتيجي، خاصة في مجالات السياسة الخارجية والأمن القومي والبرنامج النووي. يمتلك الحرس نفوذاً يتخطى دوره العسكري، حيث يسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني ويدير شبكة من التحالفات الإقليمية عبر وكلائه في الشرق الأوسط. هذا النفوذ يمنحه القدرة على فرض رؤيته على الحكومة المنتخبة، مما يجعل تصريحات الرئيس بزشكيان محاولة لتأكيد دور السلطة التنفيذية في مواجهة ما يُعرف بـ “الدولة العميقة”. وكانت صحيفة “التلغراف” البريطانية قد وصفت سابقاً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بأنه “بوتين إيران”، لكن الواقع يبدو أكثر تعقيداً مع استمرار سيطرة الحرس الثوري على مفاصل النظام ومراكز النفوذ الرئيسية.

تداعيات الانقسام على المشهد الإقليمي والدولي

هذه الازدواجية في صنع القرار لا تؤثر على السياسة الداخلية فحسب، بل تلقي بظلالها على علاقات إيران الخارجية. فغالباً ما يجد المجتمع الدولي نفسه في حيرة عند التفاوض مع طهران، حيث قد تقدم الحكومة وعوداً والتزامات، بينما تتخذ أجهزة الدولة العميقة خطوات تتعارض معها. هذا الانقسام كان واضحاً خلال مفاوضات الاتفاق النووي (JCPOA)، ويستمر في تشكيل تحدٍ كبير أمام أي محاولة لإعادة دمج إيران في المجتمع الدولي أو حل النزاعات الإقليمية. وبالتالي، فإن دعوة بزشكيان لتوسيع دائرة صنع القرار تمثل تحدياً داخلياً كبيراً، وستكون لنتائجها انعكاسات مباشرة على استقرار المنطقة ومستقبل علاقات إيران مع العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى