أخبار إقليمية

اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي: بين الفرص الاقتصادية والفخ السياسي

لم يكد يجف حبر اتفاق الإطار الذي أُعلن عنه بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية لترسيم الحدود البحرية، حتى تحولت الآمال المعقودة عليه إلى ساحة جديدة من الصراع السياسي الداخلي في لبنان. هذا الاتفاق، الذي وُصف بأنه خطوة تاريخية، يجد نفسه اليوم في مواجهة تحديات جسيمة لا تتعلق فقط بتعقيدات التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، بل تمتد جذورها إلى عمق الانقسامات اللبنانية التي تهدد بنسف مساره بالكامل.

يأتي هذا التطور في سياق تاريخي طويل من العداء بين البلدين، اللذين لا يزالان تقنياً في حالة حرب منذ عام 1948. وقد شهدت الحدود بينهما جولات متعددة من الصراعات العسكرية، أبرزها الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وحرب يوليو 2006. ولفترة طويلة، بقيت فكرة المفاوضات المباشرة من المحرمات في السياسة اللبنانية. إلا أن اكتشاف حقول غاز واعدة في شرق البحر المتوسط غيّر قواعد اللعبة، حيث خلق حافزاً اقتصادياً قوياً لكلا الطرفين لحل نزاع طال أمده حول منطقة بحرية تبلغ مساحتها حوالي 860 كيلومتراً مربعاً، غنية بالموارد الطبيعية.

أبعاد اقتصادية وسياسية متشابكة

تكمن الأهمية الاستراتيجية للاتفاق في كونه يفتح الباب أمام لبنان، الغارق في أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، لاستغلال ثرواته من النفط والغاز. يمكن أن توفر العائدات المحتملة شريان حياة للاقتصاد المنهار، وتساعد في إعادة بناء احتياطيات النقد الأجنبي، وتمويل الخدمات الأساسية. من هذا المنطلق، يرى العديد من الأطراف السياسية والاقتصادية في لبنان أن المضي قدماً في ترسيم الحدود هو ضرورة وطنية ملحة لا تحتمل التأخير.

على الجانب الآخر، يحمل الاتفاق أبعاداً سياسية حساسة. فمجرد الجلوس إلى طاولة مفاوضات برعاية أمريكية مع إسرائيل يثير جدلاً واسعاً في الداخل. يرى فريق، وعلى رأسه حزب الله وحلفاؤه، أن أي شكل من أشكال التفاوض هو خطوة نحو التطبيع المرفوض، ويعتبرونه تنازلاً يمس بسيادة لبنان ومبادئه. بينما يجادل فريق آخر بأن المفاوضات تقنية وغير مباشرة، وتقتصر على ترسيم الحدود ولا تمثل اعترافاً سياسياً بإسرائيل، مشددين على أنها السبيل الوحيد للحفاظ على حقوق لبنان في ثرواته البحرية.

مستقبل اتفاق الإطار في مهب الريح

إن مستقبل اتفاق الإطار يعتمد بشكل كبير على قدرة القوى السياسية اللبنانية على التوصل إلى توافق داخلي. فالخلافات لا تقتصر على الموقف المبدئي من التفاوض، بل تشمل أيضاً تفاصيل تقنية وقانونية تتعلق بالخرائط والنقاط الحدودية التي يجب أن ينطلق منها الوفد المفاوض. وقد أدت هذه الانقسامات بالفعل إلى تعثر جولات التفاوض التي انطلقت في مقر اليونيفيل بالناقورة، حيث تباينت المواقف بين مؤسسات الدولة الرسمية، مما أضعف الموقف اللبناني.

لذلك، يبدو أن المعركة الحقيقية حول مصير هذا الاتفاق لن تُحسم فقط في غرف المفاوضات مع إسرائيل، بل على الساحة الداخلية اللبنانية. فإما أن تنجح الدولة في بلورة موقف وطني موحد يوازن بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات السيادية، أو أن يسقط الاتفاق ضحية للتجاذبات السياسية، ليبقى لبنان أسيراً لأزماته الاقتصادية وحارماً نفسه من فرصة قد لا تتكرر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى