مالي: إحباط انقلاب بدعم روسي وتداعيات إقليمية ودولية

أعلنت وزارة الدفاع الروسية، في بيان رسمي، أن قواتها، بالتعاون الوثيق مع الجيش المالي، نجحت في إحباط محاولة انقلاب عسكري واسعة النطاق في العاصمة المالية باماكو. جاء ذلك بعد سلسلة من الهجمات المنسقة التي شنتها مجموعة كبيرة من المسلحين، يُقدر عددهم بأكثر من 12 ألف فرد، استهدفت مرافق حيوية ومواقع استراتيجية في المدينة.
وأوضح البيان أن هؤلاء المسلحين، الذين تلقوا تدريبات مكثفة على أيدي مرتزقة ومدربين أوكرانيين وأوروبيين، حاولوا السيطرة على المنشآت الحيوية والقصر الرئاسي في باماكو. وأشار البيان إلى أن المهاجمين استخدموا خلال تدريباتهم صواريخ محمولة على الكتف من طراز “ستينغر” و”ميسترال” الغربية، مما يشير إلى مستوى التسليح والتدريب الذي تلقوه.
أسفرت المواجهات العنيفة عن مقتل وزير الدفاع المالي في تفجير انتحاري بعبوة ناسفة مفخخة بالقرب من مقر إقامته، في حادث مأساوي يعكس شراسة الهجوم. ومع ذلك، تمكنت القوات الحكومية المالية، بدعم فعال من القوات الروسية، من صد الهجوم وإلحاق خسائر فادحة بالمهاجمين، مؤكدة بذلك قدرتها على حماية استقرار البلاد.
تأتي هذه المحاولة الانقلابية في سياق تاريخ حديث من الاضطرابات السياسية التي شهدتها مالي. فقد شهدت البلاد انقلابين عسكريين في عامي 2020 و2021، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية. هذه الانقلابات المتتالية أثرت بشكل كبير على مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، وزادت من تعقيد جهود مكافحة الجماعات الإرهابية المسلحة المنتشرة في منطقة الساحل.
كما يتزامن هذا الحدث مع تحولات جيوسياسية مهمة في المنطقة، أبرزها انسحاب القوات الفرنسية من مالي، التي كانت تقود عملية “برخان” لمكافحة الإرهاب، وتزايد النفوذ الروسي في البلاد. وقد أثار الوجود الروسي، سواء عبر قوات رسمية أو شركات أمنية خاصة، جدلاً دولياً واسعاً حول طبيعة هذا الدعم وتأثيره على استقرار المنطقة وعلاقات مالي بالغرب.
إن إحباط هذا الانقلاب له تداعيات كبيرة على الساحة المحلية والإقليمية. فعلى الصعيد المحلي، يمثل نجاح القوات الحكومية في صد الهجوم تعزيزاً لموقف السلطة الانتقالية، ولكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني والسياسي. إقليمياً، تضاف هذه المحاولة إلى سلسلة من الانقلابات التي شهدتها دول الساحل وغرب إفريقيا مؤخراً، مما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الديمقراطية والاستقرار في منطقة تعاني أصلاً من تحديات أمنية واقتصادية هائلة، بما في ذلك انتشار الجماعات المتطرفة.
أما على المستوى الدولي، فإن هذا الحدث يؤكد على التنافس المتزايد بين القوى الكبرى على النفوذ في القارة الإفريقية. فبينما تسعى روسيا لتعزيز شراكاتها الأمنية والعسكرية في إفريقيا، تحاول الدول الغربية الحفاظ على نفوذها ومواجهة ما تعتبره تمدداً روسياً. إن استخدام مرتزقة وتدريبهم من قبل جهات خارجية يضيف طبقة أخرى من التعقيد للصراعات الإقليمية، ويجعل من الصعب تحقيق حلول مستدامة للأزمات.
يبقى السؤال حول الجهات الحقيقية وراء هذه المحاولة الانقلابية، والدوافع الكامنة وراءها، مفتوحاً للتحقيق. ومع ذلك، فإن إعلان وزارة الدفاع الروسية عن دورها في إحباط الانقلاب يعزز من صورتها كشريك أمني رئيسي للحكومة المالية، ويشير إلى استمرار التوترات والصراعات الخفية والعلنية التي تشهدها مالي والمنطقة الأوسع.




