الرئيس الصربي يعلن استقالته ويدعو لانتخابات مبكرة.. ما القصة؟

في خطوة مفاجئة هزت الأوساط السياسية في بلغراد، أعلن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش عن نيته الاستقالة من منصبه والدعوة إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة. يأتي هذا الإعلان في خضم توترات سياسية واحتجاجات شعبية واسعة، ليفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي في الدولة البلقانية المحورية.
وخلال تجمع حاشد لمؤيديه في العاصمة بلغراد، صرح فوتشيتش قائلاً: «سأظل رئيساً لبضعة أسابيع فقط، ثم سأستقيل»، مؤكداً أنه سيعمل على دعم حزبه، “الحزب التقدمي الصربي”، لتحقيق الفوز في الانتخابات القادمة. وكان من المقرر أن تجرى الانتخابات البرلمانية التالية في عام 2027، مما يجعل هذه الدعوة المبكرة بمثابة مناورة سياسية تهدف إلى إعادة رسم الخريطة السياسية في البلاد.
ما وراء قرار الرئيس الصربي المفاجئ؟
لم يأتِ قرار فوتشيتش من فراغ، بل هو نتاج ضغوط متصاعدة شهدتها صربيا خلال الفترة الماضية. فقد اندلعت موجة من الاحتجاجات الضخمة تحت شعار “صربيا ضد العنف”، والتي تعد الأكبر منذ الإطاحة بسلوبودان ميلوسيفيتش عام 2000. جاءت هذه الاحتجاجات كرد فعل على حادثتي إطلاق نار مأساويتين وقعتا في مايو 2023 وأودتا بحياة العديد من الأشخاص، مما أثار غضباً شعبياً عارماً ضد ما وصفه المتظاهرون بـ”ثقافة العنف” التي تتسامح معها الحكومة وتغذيها وسائل الإعلام الموالية لها.
وطالبت المعارضة والمحتجون باستقالة كبار المسؤولين، بمن فيهم وزير الداخلية ورئيس جهاز المخابرات، بالإضافة إلى سحب تراخيص البث من القنوات التلفزيونية التي تتهم بالترويج لخطاب الكراهية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى خطوة فوتشيتش على أنها محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، وتفويت الفرصة على المعارضة المشتتة لتنظيم صفوفها، والسعي للحصول على تفويض جديد من الشعب في وقت يراه مناسباً له ولحزبه.
تداعيات محتملة على مستقبل صربيا والمنطقة
إن الدعوة لانتخابات مبكرة تضع صربيا على مفترق طرق حاسم. على الصعيد المحلي، ستحدد نتائج الانتخابات مسار الديمقراطية والحريات في البلاد، في ظل اتهامات متزايدة لفوتشيتش بتبني نهج استبدادي وتقويض المؤسسات الديمقراطية. أما على الصعيد الإقليمي، فإن أي فترة من عدم الاستقرار السياسي في بلغراد قد تؤثر سلباً على الحوار الهش الذي يرعاه الاتحاد الأوروبي بين صربيا وكوسوفو، والذي يهدف إلى تطبيع العلاقات بينهما.
دولياً، تراقب كل من القوى الغربية والشرقية المشهد عن كثب. فصربيا تلعب دوراً استراتيجياً في منطقة البلقان، وتحاول الموازنة بين طموحها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وعلاقاتها التاريخية الوثيقة مع روسيا وشراكتها الاقتصادية المتنامية مع الصين. وستكون نتيجة الانتخابات مؤشراً هاماً على التوجه المستقبلي للسياسة الخارجية الصربية، وما إذا كانت ستواصل السير نحو التكامل الأوروبي أم ستتعمق في علاقاتها مع موسكو وبكين.




