تقنية

قمر سفوم يرصد وميضاً كونياً نادراً قبل 13 مليار سنة

في إنجاز علمي غير مسبوق يجمع بين دقة التكنولوجيا الفضائية وسرعة الاستجابة الأرضية، نجح القمر الاصطناعي الفرنسي الصيني "سفوم" (SVOM) في رصد وميض كوني نادر للغاية، سافر عبر الفضاء لمدة تصل إلى 13 مليار سنة قبل أن تلتقطه المستشعرات البشرية. هذا الحدث، الذي بدأ بتنبيه رقمي بسيط، تحول سريعاً إلى اكتشاف فلكي مذهل يفتح آفاقاً جديدة لفهمنا لنشأة الكون.

تفاصيل الاكتشاف التاريخي والتعاون الدولي

تعود فصول القصة إلى شهر مارس الماضي، حين تلقت فرق العمل المناوبة في مهمة "سفوم" إشعاراً آلياً بوجود نشاط إشعاعي غير اعتيادي. لم يكن هذا النشاط مجرد ضوضاء كونية، بل كان "انفجار غاما" ناتجاً عن انهيار نجم عملاق تفوق كتلته كتلة شمسنا بعشرات المرات. وأكد برتران كوردييه، الرئيس العلمي للمشروع في الهيئة الفرنسية للطاقات البديلة والطاقة الذرية، أن هذا الرصد يمثل "خامس أبعد انفجار لأشعة غاما يتم رصده في تاريخ الفلك"، مشيداً بجودة البيانات الضوئية التي تم جمعها، والتي تعد الأفضل من نوعها لحدث بهذا البعد الزمني والمكاني.

ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية إضافية كونه يبرز نجاح التعاون الدولي في مجال الفضاء، حيث يجمع مشروع "سفوم" بين الخبرات الفرنسية والصينية، مما يعزز القدرات البشرية على مراقبة السماء وسبر أغوار الكون العميق بدقة لم تكن متاحة من قبل.

ما هي انفجارات أشعة غاما؟

لفهم حجم هذا الحدث، يجب وضع ظاهرة انفجارات أشعة غاما (Gamma-ray bursts) في سياقها الصحيح. تُصنف هذه الانفجارات على أنها أكثر الظواهر الكهرومغناطيسية سطوعاً وقوة في الكون المعروف. ففي غضون ثوانٍ معدودة، تطلق هذه الانفجارات طاقة تعادل ما يمكن أن تنتجه شمسنا طوال دورة حياتها الممتدة لمليارات السنين.

تنشأ هذه الظواهر العنيفة عادةً عند موت النجوم العملاقة وانهيارها لتتحول إما إلى ثقوب سوداء أو نجوم نيوترونية، أو نتيجة لاندماج النجوم الكثيفة. وبفضل سطوعها الخارق، تعمل هذه الأشعة بمثابة "منارات كونية" تضيء الغبار والغازات التي تمر عبرها، مما يمنح العلماء فرصة نادرة لتحليل تركيب المادة في العصور الكونية السحيقة.

العودة بالزمن إلى فجر الكون

أظهرت التحليلات المعمقة أن الإشارة التي رصدها "سفوم" انبعثت عندما كان الكون لا يزال في مرحلة الطفولة، وتحديداً بعد مرور حوالي 700 مليون سنة فقط من الانفجار العظيم. قطعت الفوتونات رحلة ملحمية استمرت 13 مليار سنة ضوئية لتصل إلينا اليوم.

تعد هذه الحقبة الزمنية، المعروفة بـ "فجر الكون"، فترة حرجة وحساسة للغاية في علم الكونيات. فهي تمثل عصر "الجيل الأول من النجوم" التي تشكلت من المادة البدائية (الهيدروجين والهيليوم). لعبت هذه النجوم دوراً جوهرياً في "تخليق" العناصر الثقيلة الأولى مثل الحديد والكربون والأكسجين، وهي اللبنات الأساسية التي مهدت الطريق لتطور المجرات والكواكب، وبالتبعية الحياة كما نعرفها.

مختبرات فيزياء مستحيلة على الأرض

تتجاوز أهمية هذا الرصد مجرد التسجيل التاريخي؛ إذ يوفر "مختبراً كونياً" مفتوحاً لدراسة فيزياء الطاقة العالية في ظروف يستحيل محاكاتها داخل المختبرات الأرضية. ووفقاً للدراسات المنشورة في مجلة "أسترونومي أند أستروفيزيكس"، فإن المادة في هذه الانفجارات تتسارع لتقترب من سرعة الضوء، مما يخلق بيئة فيزيائية متطرفة.

ويشير العلماء إلى أن تحليل هذه البيانات يتيح اختبار نظريات الفيزياء الأساسية، وفهم الآليات المعقدة التي تؤدي إلى إطلاق هذه الكميات المهولة من الطاقة، مما قد يسهم في حل بعض ألغاز المادة المظلمة والطاقة المظلمة التي تحير العلماء.

سباق مع الزمن وتكامل التقنيات

لم يكن هذا الاكتشاف وليد الصدفة المحضة، بل جاء نتاجاً لتكامل تقني دقيق بين الفضاء والأرض. فبعد التنبيه الأولي الذي استمر لبضع عشرات من الثواني، استنفر الفريق العلمي لتوجيه التلسكوبات الأرضية العملاقة، مثل التلسكوب الكبير جداً (VLT) في تشيلي، نحو مصدر الإشارة لرصد "الانبعاث اللاحق".

ورغم مرور 17 ساعة قبل أن يتمكن التلسكوب الأرضي من الرصد، إلا أن البيانات التي جُمعت عبر الأطوال الموجية المختلفة (أشعة سينية، بصرية، تحت حمراء، وراديوية) كانت حاسمة في تحديد موقع المصدر بدقة متناهية، وتحليل طبيعة النجم المنهار الذي يُعتقد أن كتلته كانت أكبر بمئة مرة من كتلة الشمس، مما يضيف سطراً جديداً في كتاب فهمنا لتاريخ الكون.

زر الذهاب إلى الأعلى