استفتاء مصيري في سويسرا لتحديد سقف السكان عند 10 ملايين

يتجه الناخبون في سويسرا إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في استفتاء مصيري في سويسرا قد يعيد تشكيل مستقبل البلاد الديموغرافي والاقتصادي. تتمحور المبادرة الشعبية، التي أطلقها حزب الشعب السويسري اليميني، حول فرض سقف لعدد السكان الدائمين لا يتجاوز 10 ملايين نسمة بحلول عام 2050، وهي خطوة تثير جدلاً واسعاً حول سياسات الهجرة وعلاقة سويسرا بالاتحاد الأوروبي.
تأتي هذه المبادرة في سياق نظام الديمقراطية المباشرة الفريد في سويسرا، والذي يسمح للمواطنين باقتراح تغييرات دستورية عبر جمع 100 ألف توقيع. ولطالما كانت قضايا الهجرة والنمو السكاني محوراً للنقاشات السياسية الحادة في البلاد، التي تتميز بكونها واحدة من أعلى الدول الأوروبية نسبة في عدد السكان المولودين في الخارج. ففي عام 2014، وافق الناخبون بفارق ضئيل على مبادرة أخرى للحد من الهجرة الجماعية، مما أدى إلى سنوات من المفاوضات المعقدة مع الاتحاد الأوروبي للحفاظ على الاتفاقيات الثنائية.
تفاصيل مبادرة “لا لسويسرا الـ10 ملايين”
تحمل المبادرة الحالية اسم “لا لسويسرا الـ10 ملايين”، ويجادل مؤيدوها بأن النمو السكاني المتسارع، الذي وصل بالبلاد إلى ما يقرب من 9 ملايين نسمة حالياً، يفرض ضغوطاً هائلة على البنية التحتية مثل الطرق والسكك الحديدية، ويزيد من تكاليف الرعاية الصحية والتعليم، ويؤدي إلى تآكل المساحات الخضراء والمناظر الطبيعية التي تشتهر بها سويسرا. وتنص المبادرة على أنه في حال وصل عدد السكان إلى 9.5 مليون نسمة قبل عام 2050، يجب على الحكومة الفيدرالية والبرلمان اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان عدم تجاوز سقف الـ10 ملايين، وقد تشمل هذه الإجراءات تقييد الهجرة بشكل كبير، بما في ذلك لم شمل الأسر وتشديد سياسات اللجوء.
تداعيات اقتصادية ودبلوماسية لهذا الاستفتاء المصيري في سويسرا
على الجانب الآخر، تحذر الحكومة السويسرية وغالبية الأحزاب السياسية وجمعيات الأعمال من العواقب الوخيمة التي قد تترتب على قبول المبادرة. يعتمد الاقتصاد السويسري بشكل كبير على العمالة الماهرة من الخارج، خاصة في قطاعات حيوية مثل الأدوية والتكنولوجيا الفائقة والخدمات المالية. ويرى المعارضون أن فرض قيود صارمة على الهجرة سيؤدي إلى نقص حاد في العمالة، ويضعف القدرة التنافسية للشركات السويسرية على الساحة العالمية. والأهم من ذلك، أن هذه الخطوة ستضع سويسرا في مسار تصادمي مباشر مع الاتحاد الأوروبي، حيث إنها تنتهك بشكل صريح اتفاقية حرية تنقل الأشخاص، التي تعد حجر الزاوية في العلاقات الثنائية بين الطرفين. وقد يؤدي إلغاء هذه الاتفاقية إلى تفعيل “بند المقصلة”، الذي يهدد بإلغاء حزمة كاملة من الاتفاقيات الأخرى التي تنظم التجارة والوصول إلى الأسواق.
يقف الناخبون السويسريون أمام قرار معقد يوازن بين المخاوف المشروعة بشأن جودة الحياة والاستدامة البيئية، وبين الفوائد الاقتصادية والروابط الوثيقة مع جيرانهم الأوروبيين. وسيكون لنتيجة هذا الاستفتاء تأثير عميق ليس فقط على التركيبة السكانية لسويسرا، بل أيضاً على مكانتها كمركز اقتصادي عالمي وعلاقاتها الدبلوماسية لعقود قادمة.




