أخبار العالم

تمديد إعفاءات عقوبات إيران: لماذا أبقى ترمب على الضغط المالي رغم مزاعم الانهيار؟

جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتمديد الإعفاءات من بعض العقوبات المفروضة على إيران، قبل نحو ثلاث ساعات فقط من موعد انتهائها، ليثير تساؤلات عميقة حول استراتيجية واشنطن تجاه طهران. ففي الوقت الذي أكد فيه ترمب أن العقوبات الأمريكية تدفع الاقتصاد الإيراني نحو الانهيار المالي، أبقى على هذه الإعفاءات التي تسمح لبعض الدول والكيانات بمواصلة أنشطة معينة مع إيران، خاصة تلك المتعلقة بالتعاون النووي المدني. وقد شككت طهران في هذا القرار، واصفة إياه بأنه «مجرد خدعة لكسب الوقت لشن ضربة مفاجئة»، مما يعكس حالة عدم الثقة والتوتر المستمرة بين البلدين.

السياق التاريخي وحملة «الضغط الأقصى»

لفهم قرار ترمب، لا بد من العودة إلى السياق الأوسع للعلاقات الأمريكية الإيرانية في عهده. ففي مايو 2018، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) الذي أبرمته إدارة أوباما، وأعادت فرض حزمة واسعة من العقوبات الاقتصادية بهدف ممارسة «أقصى ضغط» على طهران. شملت هذه العقوبات قطاعات حيوية مثل النفط والبنوك والشحن، بهدف تجفيف مصادر الدخل الإيرانية وإجبار النظام على التفاوض على اتفاق جديد يتضمن قيودًا أشد على برنامجها النووي والصاروخي، ونفوذها الإقليمي. ورغم الانسحاب من الاتفاق، استمرت إدارة ترمب في تمديد بعض الإعفاءات التي تسمح لشركات من دول مثل روسيا والصين وأوروبا بمواصلة العمل في مواقع نووية إيرانية محددة، مثل مفاعل أراك للمياه الثقيلة ومحطة بوشهر للطاقة النووية، لمنع إيران من استئناف أنشطة قد تقربها من تطوير أسلحة نووية.

مبررات ترمب ومزاعم الانهيار الاقتصادي

على الرغم من تمديد الإعفاءات، لم يتوانَ ترمب عن التأكيد على فعالية حملة الضغط الأقصى. فقد صرح مرارًا بأن إيران «تنهار مالياً»، مشيرًا إلى أنها تخسر مئات الملايين من الدولارات يوميًا بسبب العقوبات. وادعى ترمب، في منشورات على منصات التواصل الاجتماعي، أن الجيش والشرطة في إيران يشتكون من عدم تلقي رواتبهم، في محاولة لتسليط الضوء على المعاناة الاقتصادية التي يواجهها الشعب الإيراني نتيجة لهذه الضغوط. كانت هذه التصريحات تهدف إلى تبرير سياسة العقوبات القاسية، وتقديمها كأداة ناجحة لتحقيق الأهداف الأمريكية دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

شكوك طهران وتفسيراتها

من جانبها، لم تقابل طهران قرار ترمب بتمديد الإعفاءات بالترحيب. فقد اعتبرت القيادة الإيرانية هذه الخطوة «مجرد خدعة» أو محاولة لكسب الوقت، ربما لتقييم الوضع الداخلي الإيراني أو لترتيب ضربة مفاجئة، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية. هذا التفسير يعكس عمق انعدام الثقة بين الجانبين، ورؤية إيران لأي خطوة أمريكية، حتى لو بدت مخففة، على أنها جزء من استراتيجية أوسع لتقويض النظام. طالبت إيران باستمرار برفع جميع العقوبات والعودة الكاملة للاتفاق النووي الأصلي كشرط لأي مفاوضات جديدة.

الأهمية والتأثيرات الجيوسياسية

كان لقرار ترمب بتمديد الإعفاءات تأثيرات متعددة الأوجه. على الصعيد الإقليمي، أثار القرار قلق بعض حلفاء الولايات المتحدة مثل السعودية وإسرائيل، الذين كانوا يدعون إلى موقف أكثر صرامة تجاه إيران. دوليًا، عكس القرار محاولة أمريكية للحفاظ على توازن دقيق: فمن جهة، أرادت واشنطن خنق الاقتصاد الإيراني، ومن جهة أخرى، لم ترغب في دفع طهران إلى التخلي تمامًا عن القيود النووية التي فرضها الاتفاق، مما قد يؤدي إلى تصعيد أكبر. كما أثرت هذه السياسة على استقرار أسواق النفط العالمية وعلى جهود منع الانتشار النووي. في النهاية، أبرز تمديد الإعفاءات الطبيعة المعقدة والمتناقضة أحيانًا للسياسة الأمريكية تجاه إيران في عهد ترمب، والتي سعت إلى تحقيق أقصى قدر من الضغط مع إدارة مخاطر التصعيد الكامل.

زر الذهاب إلى الأعلى