تصعيد في جنوب لبنان: هل تنهار تفاهمات واشنطن وطهران؟

في تطور ميداني يلقي بظلال من الشك على الجهود الدبلوماسية الإقليمية، شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً في جنوب لبنان، حيث شنت القوات الإسرائيلية غارات جوية على مناطق عدة يوم الأربعاء. يأتي هذا القصف في وقت حرج، مباشرة بعد الإعلان عن “مذكرة تفاهم” بين واشنطن وطهران، بوساطة حلفائهما، تهدف إلى إنهاء شامل ومستدام للحرب على كافة الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية المشتعلة منذ أشهر.
ووفقاً لما نقلته “الوكالة الوطنية للإعلام” اللبنانية الرسمية، استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي بغارات عنيفة بلدات النبطية الفوقا، وكفرتبنيت، وأنصارية في منطقتي النبطية والزهراني. وأشارت التقارير الأولية إلى أن هذه الهجمات تأتي رغم التراجع النسبي في حدة المواجهات عقب الإعلان عن الاتفاق، مما يثير تساؤلات حول مدى التزام الأطراف بهشاشة التفاهمات التي تم التوصل إليها بصعوبة.
خلفيات التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية
لم يكن التوتر على الحدود بين لبنان وإسرائيل وليد اللحظة، بل هو امتداد لصراع طويل ومعقد. فمنذ حرب عام 2006، التي انتهت بصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، ظلت المنطقة تشهد خروقات متكررة وحالة من الهدوء الحذر. إلا أن الوضع انفجر مجدداً في الثامن من أكتوبر 2023، حين أعلن حزب الله فتح “جبهة إسناد” لقطاع غزة، لتبدأ جولة من القصف المتبادل اليومي هي الأعنف منذ 18 عاماً. تسببت هذه المواجهات في نزوح عشرات الآلاف من السكان على جانبي الحدود، وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية والمناطق الزراعية في جنوب لبنان، وأجبرت سكان المستوطنات الشمالية في إسرائيل على الإخلاء.
أبعاد التصعيد في جنوب لبنان وتداعياته المحتملة
إن الغارات الإسرائيلية الأخيرة لا تمثل مجرد خرق للهدوء النسبي، بل تعد اختباراً حقيقياً لجدية التفاهمات الأمريكية-الإيرانية. على الصعيد المحلي، يعمق هذا تصعيد في جنوب لبنان من معاناة السكان الذين يأملون في عودة الاستقرار، ويزيد من المخاوف من انزلاق الأمور نحو حرب شاملة قد لا يتحمل لبنان تكلفتها الباهظة في ظل أزماته الاقتصادية والسياسية الخانقة. أما على الصعيد الإقليمي، فإن استمرار القصف يهدد بنسف الاتفاق الهش الذي يهدف إلى منع توسع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، والذي يشمل جبهات أخرى في اليمن والعراق. أي سوء تقدير من أي طرف قد يشعل حريقاً إقليمياً واسعاً، تكون له تداعيات دولية خطيرة على أمن الطاقة واستقرار الملاحة العالمية.
في المحصلة، تقف المنطقة عند مفترق طرق حاسم. فبينما تسعى الدبلوماسية لوضع حد للنزاع، تتحدث المدافع والطائرات الحربية على الأرض بلغة مختلفة. وتبقى الأيام القادمة كفيلة بكشف ما إذا كانت تفاهمات واشنطن وطهران قادرة على الصمود في وجه التحديات الميدانية، أم أنها ستنهار تحت وطأة القصف المستمر، لتدخل المنطقة في دوامة جديدة من العنف وعدم الاستقرار.




