صراع السلطة في العراق: المالكي يعرقل ترشيح السوداني

شهدت الساحة السياسية العراقية تطورات متسارعة ومثيرة للجدل، حيث برزت مؤشرات قوية على انقلاب سياسي داخل تحالف “الإطار التنسيقي” الشيعي الحاكم. هذه التطورات، التي يقودها رئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، تهدف بشكل أساسي إلى عرقلة إعادة ترشيح رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، لولاية ثانية. تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التوترات الأمنية والسياسية في البلاد، مما يلقي بظلاله على استقرار المشهد العراقي برمته.
تاريخياً، لطالما اتسم المشهد السياسي العراقي بالتعقيد والتحالفات الهشة، خاصة بعد عام 2003 وتطبيق نظام المحاصصة الطائفية. “الإطار التنسيقي” نفسه تشكل كتحالف واسع للقوى الشيعية بعد الانتخابات البرلمانية لعام 2021، التي شهدت جموداً سياسياً طويلاً وانسحاب التيار الصدري من العملية السياسية. حينها، تم التوافق على محمد شياع السوداني كمرشح تسوية لتشكيل الحكومة، في محاولة لإنهاء الأزمة التي استمرت لأكثر من عام. نوري المالكي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء لولايتين سابقتين، يُعد أحد أبرز اللاعبين في هذا الإطار، ويتمتع بنفوذ كبير داخل كتلته السياسية، “دولة القانون”، التي تسعى دائماً للحفاظ على موقعها المؤثر في صناعة القرار.
التهديدات الأخيرة التي صدرت عن عناصر محسوبة على ائتلاف دولة القانون داخل البرلمان، والتي تهدف إلى إسقاط ترشيح السوداني، تعكس صراعاً داخلياً محتدماً على السلطة والنفوذ. هذه التحركات، التي نجح فريق المالكي في تشكيل ما يُعرف بـ “الثلث المعطل” داخل مجلس النواب، تُعد تكتيكاً سياسياً قديماً جديداً في العراق. “الثلث المعطل” هو عدد من النواب يكفي لمنع انعقاد جلسات البرلمان أو تمرير قرارات مهمة، خاصة تلك المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية أو منح الثقة لرئيس الوزراء. هذا التكتيك يعرقل بشكل مباشر أي محاولة لتجديد ولاية السوداني، ويزيد من تعقيد مساعي تشكيل حكومة مستقرة.
إن دوافع المالكي لعرقلة ولاية ثانية للسوداني قد تكون متعددة؛ فمن جهة، قد يسعى المالكي لتعزيز نفوذه الشخصي وحزبه، ومن جهة أخرى، قد تكون هناك خلافات حول توجهات الحكومة الحالية أو توزيع المناصب والموارد. أداء السوداني خلال ولايته الأولى، والذي ركز على مكافحة الفساد وتحسين الخدمات وتثبيت الاستقرار الأمني، قد يكون قد أكسبه قاعدة شعبية ودعماً من بعض الأطراف، مما قد يهدد نفوذ القوى التقليدية داخل الإطار التنسيقي. هذا الصراع الداخلي يكشف عن هشاشة التحالفات السياسية في العراق، حيث يمكن للمصالح الفردية والحزبية أن تتغلب على التوافقات الجماعية.
تداعيات هذا الانقلاب السياسي المحتمل تتجاوز حدود الإطار التنسيقي لتشمل المشهد العراقي ككل. على الصعيد المحلي، قد يؤدي هذا الصراع إلى مزيد من الشلل السياسي وتأخير في تنفيذ الإصلاحات الضرورية، مما يؤثر سلباً على حياة المواطنين الذين يعانون من تحديات اقتصادية واجتماعية. كما أن تصاعد التوترات الأمنية، بالتزامن مع هذه الأزمات السياسية، يزيد من المخاوف بشأن استقرار البلاد. إقليمياً، العراق لاعب مهم في المنطقة، وأي اضطراب داخلي فيه يمكن أن يكون له تداعيات على دول الجوار، خاصة في ظل التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ. دول مثل إيران والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة تراقب عن كثب هذه التطورات، حيث أن استقرار العراق حيوي لمصالحها. دولياً، استقرار العراق له أهمية في سياق مكافحة الإرهاب وأسواق النفط العالمية، فالعراق منتج رئيسي للنفط، وأي اضطراب سياسي قد يؤثر على إمدادات الطاقة العالمية.
في الختام، فإن محاولة نوري المالكي عرقلة إعادة ترشيح محمد شياع السوداني تمثل نقطة تحول حاسمة في السياسة العراقية. هذه الخطوة، التي تعيد إلى الواجهة تكتيك “الثلث المعطل”، تكشف عن عمق الخلافات داخل القوى الشيعية الحاكمة وتضع استقرار البلاد على المحك. ستكون الأسابيع والأشهر القادمة حاسمة في تحديد مسار العراق السياسي، وما إذا كانت هذه التوترات ستؤدي إلى أزمة جديدة أو إلى إعادة ترتيب للأوراق السياسية بما يخدم استقرار البلاد ومستقبلها.




