أخبار محلية

مهن أهالي مكة: إرث تاريخي في خدمة ضيوف الرحمن

اشتهرت العاصمة المقدسة وضواحيها منذ القدم باحتضانها مجموعة من أعرق مهن أهالي مكة التي خُصصت لخدمة حجاج بيت الله الحرام. يقدم أبناء هذه المدينة المقدسة خدماتهم الجليلة لضيوف الرحمن منذ لحظة قدومهم وحتى مغادرتهم الأراضي المقدسة، في لوحة تعكس الكرم العربي الأصيل والالتزام الديني العميق بتيسير رحلة الحج.

الجذور التاريخية لخدمة الحجيج في مكة

لم تكن هذه المهن وليدة اللحظة، بل هي امتداد لإرث تاريخي عظيم بدأ منذ عهد إبراهيم الخليل عليه السلام، وتطور عبر العصور الإسلامية المختلفة. قديماً، كانت سقاية الحجاج ورفادتهم شرفاً تتنافس عليه القبائل العربية، ومع مرور الزمن وتطور المجتمعات، تحولت هذه الخدمات إلى مؤسسات ومهن منظمة تتوارثها العائلات المكية كابراً عن كابر. هذا الإرث التاريخي يعكس مدى ارتباط أهل مكة بالكعبة المشرفة، حيث أصبحت استضافة الحجاج جزءاً لا يتجزأ من هويتهم الثقافية والاجتماعية التي يفتخرون بها أمام العالم.

الأثر المحلي والدولي لجهود أبناء العاصمة المقدسة

تتجاوز أهمية هذه المهن البعد المحلي لتترك أثراً إقليمياً ودولياً بالغ الأهمية. فعلى الصعيد المحلي، تسهم هذه المهن في تعزيز الاقتصاد الوطني وتوفير آلاف فرص العمل الموسمية والدائمة، فضلاً عن ترسيخ قيم التطوع والتكافل بين أفراد المجتمع السعودي. أما دولياً، فإن جودة الخدمات المقدمة وحسن الاستقبال يتركان انطباعاً إيجابياً عميقاً في نفوس ملايين المسلمين العائدين إلى أوطانهم في شتى بقاع الأرض، مما يعزز من المكانة الرائدة للمملكة العربية السعودية كحاضنة للحرمين الشريفين وقائدة للعالم الإسلامي في تنظيم وإدارة الحشود المليونية.

الطوافة: ركيزة أساسية من مهن أهالي مكة

تبرز مهنة “الطوافة” التي تتمحور حول إرشاد الحاج عن مناسك حجه والعمل على توفير الخدمات التي يحتاجها. تُعد هذه المهنة واحدة من أهم المهن القديمة التي ظهرت الحاجة إليها عندما ازدادت أعداد الحجاج غير الناطقين باللغة العربية، والذين يغلب عليهم عدم معرفة تفاصيل أداء مناسك الحج، حتى وصل مفهوم الطوافة إلى ما هو عليه الآن.

وحظيت مهنة الطوافة بحرص واهتمام وزارة الحج والعمرة، فأسست شركات الطوافة بوصفها شركات مساهمة، بما يسهم في رفع كفاءة أدائها لخدمة قاصدي الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة من حجاج ومعتمرين وزائرين، وكذلك رفع جودة ما يقدم لهم من خدمات، وتيسير إجراءات وصولهم وإقامتهم وعودتهم.

وتتمحور مهمة الطوافة في استقبال الحجاج والترحيب بهم، وتنظيم خروجهم إلى الحرم المكي للطواف عند القدوم والمغادرة. إضافة إلى متابعة سكن الحاج في مكة لتوفير كل سبل الراحة لهم، وتوفير وسائل النقل، والتفويج إلى منشأة الجمرات، وإسكانهم في المشاعر المقدسة. وأيضاً تقديم خدمات الإعاشة لضيوف الرحمن طوال فترة حجهم، وتوديع الحجاج بعد إكمالهم أداء فريضة الحج.

الزمازمة: سقاية ضيوف الرحمن

ومن المهن الأخرى التي يتسابق ويتشرف بأدائها العديد من أبناء مكة المكرمة، مهنة “الزمازمة” التي تساند المطوفين في تلبية احتياج الحاج للماء. وتُعنى هذه المهنة بإرواء ضيوف الرحمن من ماء زمزم المبارك، إذ كانت آلية عمل الزمازمة قديماً تعتمد على جلب الماء من بئر زمزم وتخزينه في الأزيار (أوعية فخارية كبيرة تشبه الخزان)، ثم تُبخر الدوارق بالمستكة لإكساب الماء رائحة زكية، بعد ذلك تُملأ بماء زمزم من الأزيار، وتُصب في طيس (أوعية نحاسية تستخدم للشرب) وتُقدم للحاج.

وتعمل شركة الزمازمة التي تشرف على هذا العمل الجليل على عدة برامج، من أهمها استقبال الحجاج في منافذ الوصول بتسليمهم عبوات من ماء زمزم، وتوديعهم بعبوات أخرى عند مغادرتهم الأراضي المقدسة.

الصرافة: تيسير المعاملات المالية

مع اقتراب موسم الحج من كل عام، تنشط مهنة أخرى بشكل ملحوظ وهي “الصرافة”، التي ترتكز على تبديل العملات التي كانت تتداول في السوق بسبب الحركة التجارية للحجاج. وهذه المهنة عُرفت منذ القدم، ويجري فيها استبدال العملات للحجاج والمعتمرين وزوار المشاعر المقدسة طوال العام، مما يسهل عليهم تلبية احتياجاتهم اليومية بكل يسر وسهولة.

صناعة السبح: هدايا تحمل عبق الأراضي المقدسة

وتعد صناعة السبح من المهن العتيقة التي توارثتها الأجيال في مكة المكرمة، إذ تعد السبح من الهدايا التي يفضل الحجاج شراءها لأنفسهم وذويهم كذكرى روحانية لا تُنسى. تُستعمل أنواع مختلفة من الأحجار الكريمة مثل الياقوت والزمرد والزفير، التي تعد من أندر الأحجار الكريمة، كذلك تُصنع من الأخشاب. وتتفاوت أسعارها حسب المواد المستخدمة في صناعة السبحة، ومدى صفاوة الأحجار من الشوائب، ودرجة غمق لونها. ويفضل الحجاج الآسيويون السبح المصنوعة من الأحجار الكريمة بشكل خاص.

الكشافة: العمل التطوعي الميداني

ومن المهن الموسمية في موسم الحج مهنة “الكشافة” التي تعود إلى منتصف السبعينيات الهجرية من قِبل كشافة مكة وجدة بأداء مهمات تطوعية بالتعاون مع وزارة الحج، حتى تأسست جمعية الكشافة العربية السعودية عام 1382هـ. وأصبحت من الجمعيات الرسمية التي تُعنى بالمساعدة في خدمة ضيوف الرحمن بالتعاون مع وزارة الحج وكل القطاعات التي تتعلق بتسهيل وتيسير تجربة الحاج.

ويجري تدريب الكشافة على قراءة الخرائط الإرشادية والتعرف المبدئي على آلية المسح بالمشاعر. بالإضافة إلى منحهم جرعات تثقيفية في فنون التعامل مع الحجاج تشتمل على مهارة الإنصات عند مساعدة الحجاج التائهين، وانتقاء الكلمات والجمل المناسبة التي تصل لقلوب الحجاج وترسم الابتسامة على ثغرهم وتأدية حاجة الحاج على أكمل وجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى