الشرع ومظلوم يناقشان دمج قسد: مستقبل سوريا

شهدت العاصمة السورية دمشق لقاءً سياسياً وعسكرياً رفيع المستوى، حيث استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، وقيادات من التنظيم. تركزت المباحثات، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء السورية “سانا”، على استكمال عملية دمج قوات ومؤسسات “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة. يأتي هذا اللقاء في سياق متابعة تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها مؤخراً بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، والتي تهدف إلى وقف إطلاق النار والانطلاق في مسار تدريجي لإعادة دمج البنى العسكرية والإدارية في شمال وشرق البلاد ضمن إطار الدولة الموحدة.
السياق التاريخي والتحولات الأخيرة في سوريا
تُعد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تحالفاً عسكرياً يهيمن عليه المقاتلون الأكراد، وقد تشكلت بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية كقوة رئيسية في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا. على مدى سنوات الصراع السوري الطويلة، سيطرت “قسد” على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، بما في ذلك حقول النفط والمناطق الزراعية الحيوية. لطالما كانت العلاقة بين “قسد” والحكومة السورية السابقة متوترة، حيث سعت “قسد” إلى تحقيق حكم ذاتي في مناطقها، بينما أصرت دمشق على سيادة الدولة الكاملة على جميع الأراضي السورية.
يكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة في ظل التطورات الدراماتيكية الأخيرة التي شهدتها سوريا، والتي أدت إلى تغييرات جذرية في المشهد السياسي والعسكري. صعود قوى جديدة في دمشق، ممثلة بالرئيس أحمد الشرع، يفتح الباب أمام ديناميكيات مختلفة تماماً في التعامل مع الملفات العالقة، ومن أبرزها ملف المناطق التي تسيطر عليها “قسد”. هذا التحول الجذري يعيد تشكيل خارطة التحالفات والمصالح، ويجعل من الحوار بين دمشق و”قسد” ضرورة ملحة لإعادة بناء الدولة السورية.
أهمية اللقاء وتداعياته المحتملة
يمثل اجتماع الشرع وعبدي نقطة تحول محتملة في مسار الأزمة السورية، لما له من تداعيات عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
على الصعيد المحلي:
يهدف دمج “قسد” إلى توحيد المؤسسات العسكرية والإدارية تحت مظلة الدولة السورية، وهو ما قد يؤدي إلى إنهاء حالة الانقسام والازدواجية في الإدارة والسيطرة. هذا الدمج يمكن أن يساهم في تحقيق استقرار أكبر في مناطق شمال وشرق سوريا، التي عانت طويلاً من الصراعات والتدخلات الخارجية. ومع ذلك، يطرح هذا المسار تحديات كبيرة تتعلق بضمان حقوق المكونات المختلفة في هذه المناطق، لا سيما الأكراد، والحفاظ على مكتسباتهم، بالإضافة إلى دمج المقاتلين ضمن هياكل الجيش السوري الجديد بطريقة تضمن ولاءهم وتخصصاتهم.
على الصعيد الإقليمي:
للقاء تداعيات كبيرة على دول الجوار، خاصة تركيا، التي تعتبر “قسد” امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) وتصنفها منظمة إرهابية. أي اتفاق يدمج “قسد” في بنية الدولة السورية قد يغير من حسابات تركيا الأمنية والعسكرية في المنطقة، وربما يؤثر على وجودها العسكري في شمال سوريا. كما أن هذا التطور قد يعيد تشكيل أدوار القوى الإقليمية الأخرى مثل إيران، التي لها مصالح استراتيجية في سوريا، وقد تسعى للتكيف مع الواقع الجديد أو التأثير فيه. إن إعادة توحيد الأراضي السورية تحت سلطة مركزية جديدة قد يقلل من نفوذ اللاعبين الخارجيين على المدى الطويل.
على الصعيد الدولي:
تُعد الولايات المتحدة الأمريكية الداعم الرئيسي لـ “قسد” في حربها ضد داعش، وقد يكون لعملية الدمج تأثير على الوجود الأمريكي ومستقبل الدعم المقدم للقوات الكردية. قد تضطر واشنطن إلى إعادة تقييم استراتيجيتها في سوريا في ضوء هذه التطورات. كما أن روسيا، التي كانت لاعباً رئيسياً في دعم النظام السوري السابق، قد تجد نفسها أمام واقع جديد يتطلب إعادة ضبط علاقاتها مع القوى الفاعلة على الأرض. إن نجاح عملية الدمج يمكن أن يفتح الباب أمام حل سياسي أوسع للأزمة السورية، أو على الأقل يمهد لمرحلة جديدة من المفاوضات الإقليمية والدولية حول مستقبل البلاد.
مسار دمج تدريجي ووقف إطلاق النار
تؤكد التفاهمات المعلنة، والتي أعلنت عنها الحكومة السورية في 29 يناير الماضي، على أهمية وقف إطلاق النار كخطوة أولى نحو بناء الثقة. يتبع ذلك مسار شامل وتدريجي لإعادة دمج البنى العسكرية والإدارية. هذا النهج التدريجي يهدف إلى تجنب أي تصعيد محتمل وضمان انتقال سلس، مع الأخذ في الاعتبار الحساسيات الأمنية والسياسية للمناطق المعنية. إن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تطبيق هذه التفاهمات على أرض الواقع، وضمان التزام جميع الأطراف بها، في ظل تعقيدات المشهد السوري المتغير باستمرار.
في الختام، يمثل لقاء دمشق بين الشرع وعبدي لحظة فارقة قد تحدد ملامح مستقبل سوريا الموحدة. إن نجاح عملية دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة الجديدة سيكون له تأثيرات عميقة على الاستقرار الداخلي، والتوازنات الإقليمية، والديناميكيات الدولية، ويضع سوريا على مفترق طرق نحو مرحلة جديدة من تاريخها.




