عون يشكر السعودية: لبنان يستعيد قراره واستقلاله

أكد الرئيس اللبناني ميشال عون، في كلمة تاريخية وجهها إلى اللبنانيين، أن ما وصفه بـ “وقف إطلاق النار” السياسي قد شكّل بداية مرحلة سياسية جديدة للبنان. وقد جاء هذا التصريح في أعقاب فترة من التوتر السياسي الحاد الذي هدد استقرار البلاد وسيادتها. وكشف عون عن دور أمريكي وعربي بارز، قاده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمملكة العربية السعودية، في إنجاز هذا المسار الدبلوماسي المعقد، مؤكداً أن هذا التطور لم يكن وليد لحظة عابرة، بل هو نتاج مسار طويل من العمل المكثف والجهود المتواصلة داخلياً وخارجياً.
لطالما كان لبنان، بتركيبته الطائفية المعقدة وموقعه الجيوسياسي الحساس، عرضة للتدخلات الإقليمية والدولية. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990) وحتى الأزمات المتتالية التي شهدها، سعت الدولة اللبنانية جاهدة لتأكيد سيادتها واستقلال قرارها، في ظل محيط إقليمي مضطرب. مبدأ “النأي بالنفس” عن الصراعات الإقليمية ظل حجر الزاوية في سياسته الخارجية، وإن كان تطبيقه يواجه تحديات جمة.
المرحلة السياسية الجديدة التي أشار إليها الرئيس عون كانت تتويجاً للأحداث الدراماتيكية التي شهدتها البلاد في أواخر عام 2017. ففي نوفمبر من ذلك العام، أعلن رئيس الوزراء آنذاك، سعد الحريري، استقالته بشكل مفاجئ من العاصمة السعودية الرياض، مبرراً ذلك بمخاوف أمنية وتدخلات إيرانية في الشؤون اللبنانية. ألقى هذا الإعلان بظلاله على المشهد السياسي اللبناني، مثيراً مخاوف جدية بشأن مصير البلاد واحتمال جرها إلى صراع إقليمي أوسع، لا سيما بين الرياض وطهران.
تطلبت هذه الأزمة تحركاً دبلوماسياً مكثفاً على كافة المستويات. فقد لعب الرئيس عون ومسؤولون لبنانيون آخرون دوراً محورياً في إدارة الأزمة، مطالبين بعودة الحريري إلى لبنان لتوضيح موقفه. وتضافرت جهود دولية وإقليمية، شملت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب، وفرنسا، والمملكة العربية السعودية، لتسهيل عودة الحريري إلى بيروت، حيث قام لاحقاً بسحب استقالته. هذه التدخلات الدبلوماسية المتعددة كانت حاسمة في نزع فتيل الأزمة وتجنيب لبنان انزلاقاً أعمق في الفوضى السياسية والدستورية. ويؤكد شكر عون للدور “الأمريكي والعربي” على حجم التنسيق والجهود المبذولة.
إن حل هذه الأزمة لم يكن مجرد انتصار دبلوماسي، بل كان له تأثيرات عميقة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. محلياً، ساهم في استعادة الاستقرار السياسي وتعزيز الوحدة الوطنية، مما سمح للحكومة باستئناف عملها والتركيز على التحديات الاقتصادية والاجتماعية الملحة. إقليمياً، بعث برسالة مفادها أن لبنان قادر على تجاوز الأزمات دون أن يتحول إلى ساحة للصراعات بالوكالة، مما خفف من حدة التوترات في منطقة متقلبة. دولياً، أكد الدعم العالمي لسيادة لبنان واستقراره، مشدداً على أهمية الحفاظ على توازنه الهش.
لقد أكد الرئيس عون أن المسؤولين اللبنانيين تعرضوا خلال هذه المرحلة لحملات انتقاد واتهامات وضغوط سياسية، إلا أنهم واصلوا العمل انطلاقاً من قناعة راسخة بأن المسار الدبلوماسي هو الخيار الأكثر جدوى لحماية البلاد. وقد أثبتت التطورات الأخيرة صحة هذا التوجه، بعدما تم التوصل إلى حل سلمي. ويجسد تأكيد عون على أن لبنان “استعاد قراره ولن يكون ساحة للآخرين” التزاماً متجدداً بالاستقلال الوطني وسياسة خارجية أكثر حزماً تهدف إلى حماية مصالح البلاد والحفاظ على حيادها، مما يمثل لحظة فارقة في مسيرة لبنان نحو تقرير المصير والاستقرار.




