محاكمة الأسد غيابياً في دمشق: العدالة الانتقالية بسوريا

في خطوة تاريخية نحو تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا، عقد القضاء السوري، اليوم الأحد، أولى جلسات محاكمة غيابية للرئيس السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، إلى جانب عدد من رموز النظام السابق. وقد شهدت الجلسة حضور المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، الذي مثل أمام المحكمة في دمشق. وتأتي هذه الجلسة الافتتاحية ضمن مسار أوسع يهدف إلى التحضير لمحاكمات غيابية للمتهمين الرئيسيين، بالإضافة إلى محاكمات حضورية لمسؤولين أمنيين وعسكريين آخرين، أبرزهم نجيب الذي تم توقيفه في يناير 2025. وأفاد شهود عيان بأن نجيب، وهو قريب للرئيس السابق بشار الأسد وشغل سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا، حضر إلى قاعة المحكمة مكبل اليدين.

سياق تاريخي ومطالبات بالعدالة
تأتي هذه التطورات في سياق الصراع السوري الذي اندلع عام 2011، وتحول من احتجاجات سلمية إلى حرب أهلية مدمرة خلفت مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين واللاجئين. لقد شهدت السنوات الماضية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وثقتها منظمات دولية ومحلية عديدة، مما جعل المطالبة بالعدالة والمساءلة أمراً محورياً للضحايا والمجتمع المدني السوري.
لطالما كانت العدالة الانتقالية مطلباً أساسياً للضحايا والناشطين السوريين، وهي مفهوم يهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية من الصراع أو الحكم الاستبدادي إلى السلام والديمقراطية. تشمل هذه العدالة آليات مختلفة مثل المحاكمات، لجان الحقيقة، برامج جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات لضمان عدم تكرار الانتهاكات.
على مدى سنوات الصراع، بذلت جهود دولية ومحلية لتوثيق الجرائم وتقديم المسؤولين عنها للعدالة. وقد شهدت بعض الدول الأوروبية، مستندة إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، محاكمات لعدد من المسؤولين السوريين المتهمين بارتكاب جرائم حرب، مما أسفر عن إصدار أحكام إدانة في قضايا بارزة. كما أنشأت الأمم المتحدة آليات لجمع الأدلة وتوثيق الجرائم، تمهيداً لأي محاكمات مستقبلية، مما يعكس الإصرار الدولي على عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
أهمية وتأثير المحاكمة
تحمل هذه الجلسة أهمية رمزية كبيرة، فهي تبعث برسالة واضحة بأن الجرائم المرتكبة لن تمر دون عقاب، وأن الضحايا لن يُنسوا. كما أنها قد تشكل سابقة مهمة في مسار العدالة السورية، وتلهم جهوداً مماثلة في المستقبل، سواء داخل سوريا أو خارجها، في سعيها لتحقيق المساءلة عن الفظائع المرتكبة. بالنسبة للضحايا وعائلاتهم، تمثل هذه المحاكمة بصيص أمل في تحقيق العدالة التي طال انتظارها، وتؤكد على حقهم في معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، حتى لو كانت التحديات أمام تنفيذ الأحكام كبيرة.
ومع ذلك، لا تخلو هذه الخطوة من التحديات. فالمحاكمات الغيابية قد تواجه صعوبات في الاعتراف الدولي والتنفيذ، خاصة في ظل استمرار الوضع السياسي المعقد في سوريا وعدم وجود سلطة تنفيذية موحدة. كما أن غياب المتهمين الرئيسيين يحد من قدرة المحكمة على الاستماع إلى دفاعهم، مما قد يثير تساؤلات حول شرعية الإجراءات في بعض الأوساط القانونية. على الصعيد الإقليمي والدولي، قد تثير هذه المحاكمة نقاشات حول مستقبل سوريا السياسي ومسار المصالحة، وتضع قضية العدالة في صدارة الأجندة، وتذكر المجتمع الدولي بضرورة دعم آليات المساءلة لضمان عدم تكرار مثل هذه الفظائع في أي مكان.




