أخبار إقليمية

العراق: انتهاء مهلة تشكيل الحكومة وفراغ دستوري يلوح

انتهت المهلة الدستورية المحددة بـ 15 يوماً لتكليف مرشح لرئاسة الوزراء في العراق دون التوصل إلى اتفاق بين القوى السياسية، مما يدفع البلاد نحو ما يُعرف بـ «الفراغ الدستوري». هذا الإخفاق في تشكيل حكومة جديدة يمثل نقطة تحول حرجة في المشهد السياسي العراقي الهش أصلاً، ويطيل أمد حالة عدم اليقين التي تخيم على البلاد منذ الانتخابات البرلمانية في أكتوبر 2021.

منذ الغزو عام 2003 وصياغة الدستور اللاحقة، عمل النظام السياسي العراقي إلى حد كبير وفق نموذج تقاسم السلطة الطائفي المعروف باسم «المحاصصة». هذا النظام، الذي كان يهدف إلى ضمان تمثيل جميع المكونات الرئيسية (الشيعة والسنة والأكراد)، أدى في كثير من الأحيان إلى جمود سياسي طويل الأمد، حيث يصبح التوافق بين الفصائل المتنوعة أمراً بعيد المنال. الأزمة الحالية هي تذكير صارخ بالتحديات الكامنة في تشكيل حكومات مستقرة في ظل هذا الإطار.

ينبع المأزق الحالي بشكل مباشر من تداعيات الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر 2021. فقد برز التيار الصدري، بقيادة مقتدى الصدر، كأكبر كتلة. ومع ذلك، فشلت محاولات الصدر لتشكيل «حكومة أغلبية وطنية» دون خصومه الشيعة التقليديين، ولا سيما الإطار التنسيقي المدعوم من إيران. أدى ذلك إلى انسحاب 73 نائباً من التيار الصدري بشكل دراماتيكي في يونيو 2022، مما منح الأغلبية فعلياً للإطار التنسيقي، الذي أصبح بعد ذلك مسؤولاً عن ترشيح رئيس الوزراء التالي.

بعد انتخاب رئيس الجمهورية، ينص الدستور على فترة 15 يوماً لتكليف الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة. الإطار التنسيقي، الذي يمتلك الآن الأغلبية، لم يتمكن من التوافق على مرشح واحد. وتبرز الخلافات داخل الإطار التنسيقي بين تيارين: أحدهما يتمسك بترشيح قيادة من الصف الأول لضمان انتقال سياسي قوي، وآخر يدفع باتجاه اختيار مرشح تسوية لتجنب الاصطدام بالرفض الشعبي أو الدولي. تعكس هذه الانقسامات صراعات أعمق على السلطة ورؤى متباينة لمستقبل العراق، لا سيما فيما يتعلق بعلاقاته مع القوى الإقليمية ونهجه في الحكم.

إن الشلل السياسي المطول له تداعيات وخيمة على العراقيين العاديين. فغالباً ما تتعرقل الخدمات الحكومية الأساسية، وتتوقف الإصلاحات الاقتصادية، ويستمر تآكل ثقة الجمهور في العملية السياسية. إن غياب حكومة كاملة الصلاحيات قادرة على معالجة القضايا الملحة مثل البطالة والفساد وتدهور البنية التحتية يغذي السخط الشعبي ويزيد من مخاطر تجدد الاحتجاجات، على غرار تلك التي هزت البلاد في السنوات الأخيرة. ويعني الفراغ الدستوري وجود حكومة تصريف أعمال ذات صلاحيات محدودة، غير قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة أو تنفيذ استراتيجيات طويلة الأمد.

على الصعيد الإقليمي، يعد عدم الاستقرار في العراق مصدر قلق لجيرانه، الذين يمتلك العديد منهم مصالح اقتصادية وأمنية كبيرة في البلاد. فالحكومة المركزية الضعيفة يمكن أن تخلق فرصاً لمختلف الأطراف لممارسة نفوذها، مما قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الإقليمية. وعلى الصعيد الدولي، تقوض الأزمة المستمرة الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في العراق، وجذب الاستثمار الأجنبي، ومكافحة التهديدات المتبقية من الجماعات المتطرفة. وغالباً ما يحث المجتمع الدولي القادة العراقيين على إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية وتشكيل حكومة مستقرة لضمان السلام والازدهار.

مع انتهاء المهلة الدستورية دون حل، يقف العراق عند مفترق طرق حرج. إن الفشل في الاتفاق على رئيس للوزراء لا يطيل أمد الجمود السياسي فحسب، بل يعمق أيضاً الشعور بعدم اليقين، ويهدد بزيادة زعزعة استقرار أمة لا تزال تتعافى من عقود من الصراع. يتطلب المسار إلى الأمام تسوية حقيقية والتزاماً متجدداً من جميع الفصائل السياسية بإعطاء الأولوية لرفاهية الشعب العراقي فوق المصالح الحزبية.

زر الذهاب إلى الأعلى