تصعيد إسرائيلي قبل جولات واشنطن: هل تنجح الدبلوماسية؟

تتجه الأنظار إلى العاصمة الأمريكية مع انطلاق جولات واشنطن الدبلوماسية، حيث يصل الوفد اللبناني محملاً بملفات ميدانية معقدة وضغوط متصاعدة. يأتي هذا الحراك في وقت ترفع فيه إسرائيل سقف تهديداتها بشكل غير مسبوق، بهدف واضح وهو فرض ما تصفه بـ«الاستسلام التقني» على بيروت، ما يجعل هذه المحادثات محورية في تحديد مسار الاستقرار الهش على الحدود الشمالية. ورغم تمسك الموقف الرسمي اللبناني بمبدأ الانسحاب الإسرائيلي الكامل كشرط لأي ترتيبات أمنية، فإن الوقائع على الأرض، التي تُصاغ بالنار خارج الخطوط الدبلوماسية، تضيق هوامش المناورة وتجعل المهمة في واشنطن بالغة الصعوبة.
جذور التوتر على الحدود الشمالية
يعود التوتر الحالي على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية إلى عقود من الصراع، لكنه اتخذ منحى تصاعدياً خطيراً في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023. هذه الجبهة، التي ظلت مضبوطة نسبياً بقواعد اشتباك غير معلنة منذ حرب عام 2006 وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، اشتعلت من جديد لتصبح جبهة مساندة نشطة. القرار 1701، الذي دعا إلى وقف الأعمال العدائية ونشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل في جنوب لبنان، لطالما كان حجر الزاوية في جهود الحفاظ على الهدوء. إلا أن الخروقات المتبادلة والتطورات الإقليمية الأخيرة أدت إلى تآكل هذا الاستقرار، مما دفع الولايات المتحدة وفرنسا إلى تكثيف جهودهما الدبلوماسية لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تكون أكثر تدميراً من سابقاتها.
تصعيد إسرائيلي يسبق جولات واشنطن
يدرك المتابعون أن المحادثات المقررة في البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية لن تكون مجرد نقاشات دبلوماسية تقليدية. فهي تُعقد على وقع تصعيد عسكري إسرائيلي متعمد ومدروس، بلغ ذروته مؤخراً مع الكشف عن مقترحات داخل قيادة الأركان الإسرائيلية باستهداف مبانٍ وبنى تحتية في العمق اللبناني. هذه الاستراتيجية الإسرائيلية تهدف إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على المفاوض اللبناني، لتحويل المفاوضات من عملية سياسية متكافئة إلى إملاء شروط أمنية. فمصطلح “الاستسلام التقني” يعني إجبار لبنان على القبول بترتيبات أمنية تفصيلية على الأرض تضمن أمن إسرائيل، دون الخوض في القضايا السيادية الأوسع مثل ترسيم الحدود البرية بشكل كامل أو إنهاء الاحتلال لأراضٍ لبنانية.
الأهمية الاستراتيجية وتأثير المحادثات
تحمل هذه المفاوضات أهمية تتجاوز حدود لبنان وإسرائيل، إذ إن أي انفجار واسع النطاق على هذه الجبهة يهدد بزعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها. تسعى الإدارة الأمريكية من خلال هذه الوساطة إلى تجنب سيناريو الحرب المفتوحة الذي قد يجر أطرافاً إقليمية أخرى، بما في ذلك إيران، إلى الصراع بشكل مباشر. إن نجاح جولات واشنطن في التوصل إلى تفاهمات، حتى لو كانت جزئية، سيمثل إنجازاً دبلوماسياً يساهم في خفض التوتر الإقليمي. أما الفشل، فيعني أن المنطقة ستبقى على شفا حرب مدمرة، مع تداعيات إنسانية واقتصادية كارثية على لبنان الذي يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي حاد، وتحديات أمنية كبيرة لإسرائيل.




