محافظ الحسكة الكردي: دمج الإدارة الذاتية ودمشق يتقدم ولا تهميش للعرب

في خطوة تعكس التطورات المعقدة في المشهد السوري، كشف محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، في حوار خاص مع صحيفة «عكاظ»، عن تقدم ملحوظ في عملية دمج الإدارة الذاتية مع الحكومة السورية. أكد المحافظ، وهو أول كردي يتولى هذا المنصب في تاريخ سوريا، أن هذه العملية، التي تستند إلى اتفاق موقع بين الطرفين في يناير الماضي، تسير بشكل جيد على المستويين العسكري والإداري المدني. وشدد على وجود إرادة مشتركة قوية من الجانبين الكردي ودمشق لإتمام هذا الدمج، مؤكداً في الوقت ذاته أن لا أحد يجرؤ على تهميش المكون العربي في المنطقة.
تُعد محافظة الحسكة، الواقعة في شمال شرق سوريا، منطقة ذات أهمية استراتيجية وجيوسياسية بالغة. تتميز بتنوعها السكاني الغني الذي يضم العرب والأكراد والسريان والآشوريين وغيرهم، مما يجعلها فسيفساء ثقافية ودينية فريدة. كما أنها غنية بالموارد النفطية والزراعية، مما يزيد من أهميتها الاقتصادية. على مر التاريخ الحديث، شهدت الحسكة تقلبات عديدة، وتفاقمت تعقيداتها مع اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، حيث أصبحت مسرحاً لصراعات متعددة الأطراف، وشهدت ظهور الإدارة الذاتية التي يقودها الأكراد، والمعروفة أيضاً باسم روج آفا، والتي سيطرت على مساحات واسعة من المنطقة بعد انسحاب قوات النظام السوري من بعض مناطقها ومواجهة تنظيم داعش الإرهابي.
إن الحديث عن دمج الإدارة الذاتية مع الحكومة السورية ليس جديداً، بل يمثل نقطة محورية في مسار الأزمة السورية الأوسع. فمنذ سنوات، كانت هناك محاولات متقطعة ومفاوضات غير مباشرة، غالباً ما كانت بوساطة روسية، لإيجاد صيغة توافقية تعيد هذه المناطق إلى سيادة الدولة السورية مع الحفاظ على بعض مكتسبات الإدارة الذاتية. الاتفاق المشار إليه في يناير الماضي، وإن لم تُعلن تفاصيله بالكامل، يشير إلى مرحلة جديدة من التفاهمات تهدف إلى إنهاء حالة الانقسام الإداري والعسكري. هذه العملية تتطلب دقة وحذراً شديدين لضمان حقوق جميع المكونات وتجنب أي تصعيد قد يهدد الاستقرار الهش في المنطقة.
وفي سياق تصريحاته لـ«عكاظ»، أوضح المحافظ نور الدين أحمد أن مسار الدمج يتطلب مزيداً من التأنّي والدراسة المنظمة والعملية لضمان نجاحه واستدامته. وأكد على مبدأ الشمولية، مشدداً على أنه لا توجد نية لاستبعاد أي من الموظفين السابقين في الإدارات المحلية بالحسكة، وهو ما يعكس التزاماً بالحفاظ على الكفاءات والخبرات المحلية. وأضاف المحافظ: «نحن نعمل بجد لتحقيق السلام الأهلي وفتح أبواب الحوار مع جميع المكونات الدينية والإثنية والعربية»، في رسالة واضحة تؤكد على أهمية التعايش والتفاهم بين مختلف أطياف المجتمع في الحسكة.
إن نجاح عملية الدمج هذه يحمل في طياته تأثيراً محتملاً كبيراً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يمكن أن يؤدي إلى استقرار أكبر، وإعادة توحيد المؤسسات، وتحسين الخدمات للمواطنين في الحسكة. إقليمياً، قد يغير هذا التطور من ديناميكيات القوى في شمال شرق سوريا، ويؤثر على مواقف دول الجوار مثل تركيا التي تراقب عن كثب أي تحركات تتعلق بالإدارة الذاتية الكردية. دولياً، يمكن أن يمثل خطوة نحو حل سياسي أوسع للأزمة السورية، ويؤثر على حسابات القوى الكبرى المنخرطة في الصراع، مثل روسيا والولايات المتحدة، التي لها مصالح متباينة في المنطقة.
بالنظر إلى هذه التحديات والفرص، فإن تصريحات المحافظ نور الدين أحمد تبعث برسالة من التفاؤل الحذر. إن التأكيد على عدم تهميش أي مكون، وفتح قنوات الحوار، والعمل نحو السلام الأهلي، كلها عناصر أساسية لبناء مستقبل مستقر ومزدهر للحسكة وسوريا ككل. يبقى التنفيذ العملي لهذه التفاهمات هو المحك الحقيقي، ويتطلب جهوداً متواصلة من جميع الأطراف المعنية لضمان تحقيق الأهداف المرجوة.




