لبنان يطالب ترامب بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الجنوب

في خطوة دبلوماسية مهمة تعكس التحديات الجيوسياسية المعقدة في الشرق الأوسط، دعا رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، تمام سلام، الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب إلى ممارسة ضغط فعال على إسرائيل لإنهاء احتلالها للأراضي اللبنانية في الجنوب. جاء هذا المطلب خلال لقاءات سلام في واشنطن، حيث التقى بوزير الخارجية الأمريكي آنذاك مارك روبيو، مؤكداً على ضرورة تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط من الأراضي اللبنانية لضمان استقرار المنطقة وسيادة لبنان.
خلفية تاريخية: عقود من النزاع على الحدود الجنوبية
تأتي مطالبة لبنان بالانسحاب الإسرائيلي في سياق تاريخي طويل من النزاعات والاحتلالات التي طالت جنوبه. فمنذ الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1978، المعروف باسم “عملية الليطاني”، والذي أعقبه غزو أوسع عام 1982، أقامت إسرائيل “حزاماً أمنياً” في جنوب لبنان، مدعومة بجيش لبنان الجنوبي (SLA). استمر هذا الاحتلال الجزئي لعقود، مخلفاً وراءه دماراً ونزوحاً ومعاناة إنسانية كبيرة. ورغم انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000، إلا أن النزاع على مناطق مثل مزارع شبعا وتلال كفر شوبا ظل قائماً، مما يمثل خرقاً للسيادة اللبنانية وفقاً للموقف الرسمي اللبناني وقرارات الأمم المتحدة.
لطالما أكد لبنان على التزامه بالقرارات الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 425 الصادر عام 1978، والذي يدعو إسرائيل إلى الانسحاب الفوري وغير المشروط من جميع الأراضي اللبنانية. كما أن قرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي أنهى حرب يوليو 2006، شدد على ضرورة بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها ومنع أي وجود عسكري غير شرعي.
موقف لبنان الثابت: السيادة الكاملة والرفض القاطع للمناطق العازلة
شدد تمام سلام في تصريحاته لصحيفة واشنطن بوست على أن “لبنان لا يمكنه توقيع أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً كاملاً للقوات الإسرائيلية”. وأوضح أن بلاده ترفض بشكل قاطع فكرة “المنطقة العازلة” أو أي ترتيبات أمنية تمنع النازحين من العودة إلى مدنهم وقراهم. هذا الموقف يعكس إجماعاً وطنياً لبنانياً على ضرورة استعادة السيادة الكاملة على كل شبر من الأراضي اللبنانية، ورفض أي مساومة على حقوق المواطنين في العودة الآمنة إلى ديارهم.
وأضاف سلام أن الحكومة اللبنانية اتخذت “قرارات جريئة” في سبيل تعزيز سلطة الدولة، بما في ذلك السعي لمصادر الأسلحة وحظر العمليات العسكرية لحزب الله، في إشارة إلى جهود الدولة اللبنانية لبسط احتكارها على السلاح. هذا التأكيد على احتكار الدولة للسلاح يأتي في سياق داخلي معقد، حيث تسعى الحكومة اللبنانية إلى تعزيز دورها كمرجع وحيد للأمن والدفاع، بغض النظر عن المطالب الإسرائيلية، معتبرة أن احتكار الدولة للسلاح هو مصلحة لبنانية عليا.
تأثير الضغط الأمريكي: أهمية الدور الدولي
تكتسب مطالبة لبنان بالضغط الأمريكي أهمية خاصة نظراً للدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة كحليف استراتيجي لإسرائيل ووسيط رئيسي في المنطقة. يمكن للضغط الأمريكي أن يغير ديناميكيات الصراع ويفتح آفاقاً جديدة لحل النزاعات العالقة. إن تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المتنازع عليها، مثل مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، من شأنه أن يزيل أحد أبرز بؤر التوتر على الحدود، ويعزز الاستقرار الإقليمي، ويساهم في بناء الثقة بين الأطراف.
على الصعيد الدولي، فإن استعادة لبنان لسيادته الكاملة يمثل انتصاراً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويعزز مكانة لبنان كدولة ذات سيادة كاملة. كما أن هذا الانسحاب سيساهم في تخفيف التوترات الإقليمية، مما قد يفتح الباب أمام حوار أوسع حول قضايا السلام والأمن في الشرق الأوسط.
في الختام، تبقى مطالبة لبنان بالانسحاب الإسرائيلي الكامل حجر الزاوية في سياسته الخارجية، وتأكيداً على حقه في السيادة الوطنية. ومع تغير الإدارات الأمريكية، يتجدد الأمل في أن تتبنى واشنطن موقفاً يدعم القانون الدولي ويساهم في تحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة.




