الوساطة الباكستانية وأزمة هرمز: فرصة أخيرة لتجنب الحرب

في لحظة حبست فيها الأنفاس، تحول مشهد التراجع الذي قام به الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في “الساعة الأخيرة” عن توجيه ضربة عسكرية لإيران إلى جزء من ديناميكية تفاوض معقدة تحت النار. ومع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، لم يعد السؤال الأهم هو أسباب هذا التراجع، بل ما الذي سيحدث بعد انتهاء المهلة الممنوحة لطهران، وهنا تبرز أهمية الوساطة الباكستانية كمحاولة دبلوماسية في الرمق الأخير لانتزاع مهلة 30 يوماً قد تكون الفاصل بين الحرب والسلام.
المؤشرات الحالية تكشف أننا أمام اصطدام حتمي بين استراتيجيتين عسكريتين واقتصاديتين وصلتا إلى خط النهاية. فمقترح الثلاثين يوماً الذي تحمله المسودة الباكستانية يمثل نافذة أمان مؤقتة تسابق الانفجار، في ظل تمسك كل طرف بأوراق قوته، مما يجعل المنطقة بأسرها على حافة الهاوية.
جذور الأزمة: من الاتفاق النووي إلى حافة الهاوية
تعود جذور التوتر الحالي إلى قرار إدارة ترامب في عام 2018 بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة)، الذي تم توقيعه في 2015 بهدف تقييد برنامج طهران النووي مقابل تخفيف العقوبات. تبع الانسحاب الأمريكي فرض حملة “ضغوط قصوى” شملت عقوبات اقتصادية خانقة استهدفت شل الاقتصاد الإيراني، وخاصة صادراته النفطية. ردت إيران على هذه الضغوط بخطوات تصعيدية، منها تقليص التزاماتها في الاتفاق النووي، وسلسلة من الحوادث في مياه الخليج، أبرزها إسقاط طائرة استطلاع أمريكية مسيرة، وهو الحادث الذي كاد أن يشعل فتيل مواجهة عسكرية مباشرة لولا إلغاء ترامب للضربة الانتقامية في اللحظات الأخيرة.
دور الوساطة الباكستانية في نزع فتيل الأزمة
في خضم هذا التصعيد الخطير، تدخلت باكستان، التي تحافظ على علاقات معقدة ومتوازنة مع كل من إيران والولايات المتحدة وحلفائها في الخليج كالسعودية. انطلقت الوساطة الباكستانية من إدراك إسلام آباد بأن أي صراع في المنطقة سيكون له تداعيات كارثية على أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي. المبادرة التي طرحها رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان تهدف إلى خلق مساحة للحوار وخفض التصعيد عبر اقتراح “مهلة تجميد” مدتها 30 يوماً، يتم خلالها وقف الإجراءات العدائية من كلا الطرفين لإعطاء فرصة للدبلوماسية. نجاح هذه المبادرة يعتمد على قدرة إسلام آباد على إقناع واشنطن بتخفيف طفيف للعقوبات كبادرة حسن نية، وإقناع طهران بالعودة إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة صارمة.
تداعيات إقليمية ودولية محتملة
إن أهمية احتواء الأزمة تتجاوز حدود واشنطن وطهران. فمضيق هرمز، الذي تمر عبره قرابة 20% من إمدادات النفط العالمية، يمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي. أي إغلاق للمضيق أو اندلاع صراع عسكري فيه سيؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار الطاقة، مما قد يدخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن تمتد شرارة الحرب بسرعة لتشمل دول الجوار، وتتحول إلى صراع إقليمي مدمر تغذيه التوترات الطائفية والجيوسياسية القائمة، مما يهدد بزعزعة استقرار الشرق الأوسط لعقود قادمة. لذلك، فإن الأنظار تتجه الآن نحو إسلام آباد، على أمل أن تنجح دبلوماسيتها الهادئة في ما فشلت فيه لغة التهديد والوعيد.




