انسحاب التحالف الدولي: الجيش السوري يتسلم قاعدة قسرك بالحسكة

تسلمت وزارة الدفاع السورية، اليوم الخميس، قاعدة قسرك الجوية الاستراتيجية الواقعة في ريف الحسكة شمال شرق البلاد، وذلك عقب انسحاب قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. يأتي هذا التطور في سياق إعادة تموضع واسعة النطاق للقوات العسكرية في المنطقة، ويحمل دلالات جيوسياسية عميقة على مستقبل النفوذ والسيطرة في سوريا.
وأكدت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن قوات الجيش السوري باشرت استلام القاعدة الجوية، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تندرج ضمن جهود إعادة ترتيب الانتشار العسكري السوري في المنطقة. وتعتبر قاعدة قسرك، رغم أنها قد لا تكون الأكبر، نقطة مهمة في خارطة السيطرة شمال شرق سوريا، وهي منطقة شهدت صراعات معقدة وتداخلات قوى دولية وإقليمية متعددة على مدار سنوات الأزمة السورية.
سياق الانسحاب والتحولات الإقليمية:
لم يكن انسحاب التحالف الدولي من قاعدة قسرك حدثًا مفاجئًا، بل هو جزء من سلسلة انسحابات متتالية بدأت خلال الأسابيع الماضية من عدة قواعد ومواقع عسكرية في سوريا. هذه الانسحابات تأتي في أعقاب قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتقليص وجودها العسكري في شمال شرق سوريا، وهو قرار تسارع تنفيذه بشكل خاص بعد العملية العسكرية التركية “نبع السلام” في أكتوبر 2019. تلك العملية أدت إلى تغييرات كبيرة في موازين القوى، ودفعت القوات الكردية (قوات سوريا الديمقراطية – قسد)، التي كانت حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة في محاربة تنظيم داعش، إلى التوصل لاتفاقات مع الحكومة السورية وروسيا لملء الفراغ الأمني والعسكري.
الخلفية التاريخية والتدخل الدولي:
يعود وجود التحالف الدولي في سوريا إلى عام 2014، عندما تشكل بهدف محاربة تنظيم داعش الإرهابي. لعبت القوات الأمريكية دورًا محوريًا في دعم قوات سوريا الديمقراطية في معاركها ضد التنظيم، ونجحت في دحره من معظم المناطق التي سيطر عليها. ومع ذلك، فإن الأهداف الأمريكية في سوريا ظلت محل جدل، حيث اتهمت دمشق وبعض حلفائها واشنطن بالتدخل غير الشرعي ودعم جماعات مسلحة. ومع تراجع خطر داعش المباشر، بدأت واشنطن في إعادة تقييم استراتيجيتها، مما أفضى إلى قرارات الانسحاب الجزئي وإعادة التموضع.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:
تسلم الجيش السوري لقاعدة قسرك يمثل خطوة إضافية نحو استعادة الدولة السورية لسيادتها على كامل أراضيها، أو على الأقل تعزيز وجودها في مناطق كانت خارج سيطرتها المباشرة. محليًا، قد يؤدي هذا التطور إلى تغييرات في ديناميكيات السيطرة والأمن في ريف الحسكة، وقد يؤثر على مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. من المرجح أن تسعى دمشق إلى بسط نفوذها بشكل أكبر في هذه المناطق الغنية بالنفط والزراعة.
إقليميًا، يعزز هذا الانسحاب الدور الروسي والإيراني كقوتين رئيسيتين داعمتين للحكومة السورية، ويضع تحديات جديدة أمام تركيا التي تسعى لتأمين حدودها الجنوبية وتوسيع مناطق نفوذها في شمال سوريا. كما أنه يثير تساؤلات حول مصير قوات سوريا الديمقراطية وحلفائها المحليين بعد تراجع الدعم الأمريكي المباشر.
دوليًا، يعكس هذا الحدث تحولًا في الأولويات الأمريكية في الشرق الأوسط، وقد يؤثر على استراتيجيات مكافحة الإرهاب العالمية. كما أنه يسلط الضوء على تعقيدات الصراع السوري الذي لا يزال يشهد تداخلات دولية وإقليمية معقدة، ويؤكد أن الحلول السياسية الشاملة هي السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار الدائم في البلاد.




