تطور رحلات الحج من الأحساء: من عين نجم لقطار الحرمين

استذكر عدد من أهالي محافظة الأحساء ذكريات رحلات الحج قديماً، راوين تفاصيل التحولات الجذرية التي شهدتها هذه الشعيرة العظيمة عبر نصف قرن من الزمان. ففي الماضي، كان الحجاج يسافرون عبر طرق صحراوية طويلة ووسائل نقل بسيطة تستغرق أياماً وأسابيع للوصول إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وسط أجواء يسودها التكاتف والمحبة والصبر. واليوم، يقفون شاهدين على النقلة النوعية والخدمات المتطورة التي تقدمها المملكة العربية السعودية لضيوف الرحمن.
الجذور التاريخية لمسارات قوافل الحجاج
تاريخياً، شكلت منطقة الأحساء بوابة رئيسية ومعبراً حيوياً لقوافل الحجاج القادمين من شرق شبه الجزيرة العربية ودول الخليج المجاورة. وكانت «عين نجم» تمثل محطة استراتيجية وتاريخية في ذاكرة الحجاج، إذ شكلت نقطة تجمع وانطلاق واستقبال للقوافل. لم تكن هذه الرحلات مجرد انتقال جغرافي، بل كانت حدثاً اجتماعياً وروحياً مهماً، حيث يحرص الأهالي على توديع الحجاج بالدعاء والدموع قبل السفر، ثم استقبالهم بعد عودتهم وسط أجواء احتفالية مليئة بالفرح والسرور، مما يعكس عمق الترابط المجتمعي في تلك الحقبة.
السفر قديماً.. مشقة الطريق وروح التكافل في رحلات الحج
تحدث الحاج يوسف البوحسن لـ«اليوم» عن ذكرياته مع رحلات الحج عام 1975م، حين كان عمره يقارب 15 عاماً. وأوضح أن السفر في ذلك الوقت كان يتم بوسائل بسيطة وشاقة مقارنة بما هو متوفر اليوم. انطلقت رحلتهم عبر سيارات النقل المكشوفة من نوع «مرسيدس» الكبيرة، والتي كانت تقل نحو 90 شخصاً، مقسمة بجزء للنساء وآخر للرجال. كانت الرحلة تتوقف في مناطق عدة، لتصل إلى مكة المكرمة في اليوم التاسع. وأشار إلى أن الحجاج كانوا يتجولون في الأسواق لشراء الاحتياجات والهدايا البسيطة مثل المشالح، الخواتم، والسبحات.
وبعد أداء المناسك، يتوجهون إلى المدينة المنورة للمكوث نحو خمسة أيام للصلاة في المسجد النبوي قبل العودة. وكانت نقطة الوصول إلى الأحساء هي «عين نجم»، في مشهد يعكس روح البساطة والتكافل الاجتماعي الكبير بين الأهالي الذين يتسابقون لجلب الماء والطعام للعائدين.
العلم الأخضر وعادات توديع الحجاج
من جانبه، أكد أحمد الناصر أن الحج في الماضي كان مختلفاً تماماً من حيث المشقة وطول المدة. كانت سيارات النقل تحمل ما بين 40 إلى 50 شخصاً، توضع الأمتعة في الأسفل، وتُجهز أماكن بسيطة لجلوس النساء في الأعلى، بينما يجلس الرجال في مواقع مكشوفة. الرحلة كانت تستغرق أياماً طويلة تتخللها توقفات مستمرة للراحة أو لإصلاح الأعطال في طرق مليئة بالأتربة والرمال.
وأوضح الناصر أن الوصول إلى المدينة المنورة وحدها كان يستغرق من 12 إلى 15 يوماً، ثم يتوجهون إلى مكة في رحلة تستمر أسبوعاً إضافياً. ورغم أن تكاليف الرحلة كانت تقارب 200 ريال فقط تكفي للمصاريف والطعام، إلا أنها كانت تحمل ذكريات وقيم التعاون. ومن أبرز العادات الاجتماعية آنذاك رفع «العلم الأخضر» على منازل الحجاج دلالة على سفرهم أو عودتهم سالمين، وخروج الأهالي إلى أطراف المنطقة لتوديعهم.
عين نجم.. المحطة الأولى لضيوف الرحمن
واستعاد خلف اليوسف (65 عاماً) ذكريات حجه قبل أكثر من أربعين عاماً مع والده عبر سيارة خاصة انطلقت من الأحساء مروراً بالطائف للإحرام. وأوضح كيف كانت ظروف السفر صعبة عبر طرق ضيقة تشهد حوادث متكررة، حيث كان الركاب يجلسون فوق الأمتعة في سيارات المرسيدس القديمة. وأكد أن الأهالي كانوا يجتمعون في عين نجم ليوم أو يومين للتوديع والاستقبال، لتكون المحطة الأولى للراحة قبل دخول الأحساء.
العمل التطوعي والكشافة في خدمة الحجاج
أما صالح بوحشي (74 عاماً)، فقد روى تجربته في أول رحلة حج له قبل أكثر من 50 عاماً، حين كان في السابعة عشرة من عمره ضمن المعسكرات الكشفية. وأوضح أن معسكر خدمة الحجاج كان يقام في عين نجم للتدريب. شارك بوحشي ضمن وفد كشفي وفرت لهم إدارة التعليم حافلة لنقل 45 طالباً إلى مكة، حيث أقاموا في الخيام وتولوا مهام إرشاد التائهين وإيصالهم لمقار إقامتهم عبر بطاقات المطوفين، معتمداً على الجهد الميداني المباشر.
الأثر الإقليمي والدولي لتطور خدمات الحرمين الشريفين
في المقابل، أشاد جميع المتحدثين بالتحول التاريخي الذي تشهده المملكة العربية السعودية اليوم. إن التطور الهائل في البنية التحتية، من إنشاء شبكات الطرق السريعة الآمنة، وتوسعة المطارات، وصولاً إلى إطلاق «قطار الحرمين السريع»، لم يقتصر أثره على تيسير السفر محلياً لأهالي الأحساء وغيرهم من مدن المملكة فحسب، بل امتد أثره إقليمياً ودولياً. فقد أسهمت هذه الجهود الجبارة التي تبذلها القيادة الرشيدة في استيعاب ملايين المسلمين من كافة أنحاء العالم سنوياً، محولةً رحلة الحج من مشقة محفوفة بالمخاطر إلى تجربة إيمانية تتسم بأعلى معايير الأمن والسلامة والراحة. هذا التطور المستمر يرسخ الدور الريادي والإسلامي للمملكة، ويؤكد التزامها المطلق بخدمة الحرمين الشريفين ورعاية ضيوف الرحمن وفق أحدث المقاييس العالمية.




