أخبار محلية

تطور مشاريع سقيا الحجاج: من عين زبيدة إلى أضخم محطات التحلية

مع توافد الأعداد المليونية من ضيوف الرحمن إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة لأداء المناسك، تبرز أهمية سقيا الحجاج كواحدة من أعظم الخدمات وأكثرها حيوية. تاريخياً، كانت ندرة مصادر المياه في البيئة الصحراوية القاسية للجزيرة العربية تمثل تحدياً كبيراً ومعاناة شاقة للحجاج، خاصة في أوقات ذروة الموسم وأثناء أداء الشعائر، مما استدعى عبر العصور ابتكار حلول هندسية وإدارية لضمان استدامة هذه الخدمة الجليلة.

الجذور التاريخية لمشاريع سقيا الحجاج في مكة المكرمة

شهدت القرون الماضية تزايداً مستمراً في أعداد القاصدين للمشاعر المقدسة، وفي ظل المناخ الجاف، تفاقمت مشكلة نقص المياه. جاء الحل التاريخي الأبرز قبل نحو 1200 عام من خلال مشروع “عين زبيدة”، الذي أمرت بإنشائه السيدة زبيدة بنت جعفر، زوجة الخليفة هارون الرشيد. شكل هذا المشروع الهندسي العظيم شريان حياة لمكة المكرمة، حيث جرى سحب المياه من وادي “نعمان” عبر قنوات مائية متطورة لتنهي معاناة قوافل الحجاج في تأمين الماء، وتؤسس لثقافة الوقف المائي في التاريخ الإسلامي.

العهد السعودي وانطلاق مسيرة تحلية المياه

مع تأسيس المملكة العربية السعودية، أخذت القيادة الرشيدة على عاتقها تطوير منظومة المياه. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، شهدت مسيرة تحلية المياه قفزات غير مسبوقة. بدأت الرحلة مبكراً بإنشاء وحدات تكثيف لتقطير مياه البحر عام 1348هـ، لتتوج لاحقاً بإنشاء محطات التحلية العملاقة على ساحل البحر الأحمر في جدة عام 1401هـ والشعيبة عام 1409هـ. واليوم، تشرف الهيئة السعودية للمياه على مشاريع ضخمة، منها نظام نقل مياه “رابغ – جدة – مكة” بتكلفة تتجاوز 4 مليارات ريال وبأطوال أنابيب تبلغ 650 كيلومتراً، لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.

الأثر الإقليمي والدولي لتأمين المياه لضيوف الرحمن

لا يقتصر نجاح المملكة في إدارة قطاع المياه خلال موسم الحج على البعد المحلي فحسب، بل يمتد تأثيره إقليمياً ودولياً. إن القدرة على توفير ملايين الأمتار المكعبة من المياه العذبة لملايين البشر في مساحة جغرافية محدودة وخلال أيام معدودة، يجعل من السعودية نموذجاً عالمياً يُحتذى به في إدارة الحشود وتأمين الموارد. هذا النجاح يعزز من مكانة المملكة كقائدة للعالم الإسلامي، ويضمن سلامة وصحة الحجاج القادمين من شتى بقاع الأرض، مما ينعكس إيجاباً على الأمن الصحي الإقليمي والدولي.

جاهزية البنية التحتية وضمان الضخ المستمر

لضمان استدامة الخدمة، تكتمل سنوياً جاهزية مشاريع المياه بمستويات استعداد فنية وتشغيلية فائقة. تشمل الجهود مرافق الخزن الاستراتيجي في “المعيصم”، ومحطات الضخ، وشبكات التوزيع. وتدير شركة المياه الوطنية منظومة متكاملة عبر 27 مركزاً للتشغيل والصيانة في المشاعر المقدسة، مزودة بأنظمة تقنية متطورة مرتبطة بمركز المراقبة والتحكم في مشعر منى. يعمل أكثر من 2400 موظف على مدار الساعة لضمان ضخ مستمر بمتوسط يومي يتجاوز 750 ألف متر مكعب، يصل إلى مليون متر مكعب في يوم عرفة وأيام عيد الأضحى المبارك، مع إجراء أكثر من 4000 فحص مخبري يومياً لضمان الجودة.

محطة الشعيبة 5: أيقونة الاستدامة المائية

تُعد محطة “الشعيبة 5” على الساحل الغربي نقطة الانطلاق الرئيسية لرحلة الماء إلى مكة المكرمة. تبلغ قدرتها الإنتاجية 664 ألف متر مكعب يومياً، وتتميز بكفاءة تشغيلية استثنائية، حيث تسجل أدنى معدل استهلاك للطاقة عالمياً في فئتها بـ 2.34 كيلو واط/ساعة لكل متر مكعب. يعود هذا الإنجاز إلى استخدام تقنيات التناضح العكسي المتطورة والتكامل مع الطاقة الشمسية. وقد أشاد البنك الدولي بهذه المحطة، معتبراً إياها نموذجاً عالمياً قابلاً للاقتداء في المناطق التي تعاني من شح المياه، مما يجسد توجه المملكة نحو خفض استهلاك الطاقة بنسبة 30% بحلول عام 2030 وضمان الأمن المائي المستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى